يشهد الدولار الأمريكي تحولًا جذريًا من كونه عملة احتياطية عالمية تعتمد على أساسيات اقتصادية تقليدية إلى أداة سياسية تتأثر بشكل مباشر بالدراما السياسية الأمريكية، مما ينعكس سلبًا على الأسواق المالية وحركة الأموال ويثير تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي.
تظهر مؤشرات على انهيار النظام المعتاد، حيث أصبح ما يحرك الدولار هو التقلبات السياسية بدلاً من العوامل الاقتصادية التقليدية، وهو ما يثير قلق المحللين والمستثمرين على حد سواء.
ويبدو أن محللي «وول ستريت» يتجنبون التطرق إلى هذه المسألة، مخافة من إغضاب الرئيس دونالد ترامب، لكنهم في أحاديثهم الخاصة يقرون بأن السياسة هي المحرك الحقيقي للدولار في الوقت الراهن.
ومنذ بداية العام، قام المحللون برفع توقعاتهم لنمو الاقتصاد الأمريكي بشكل ملحوظ، من حوالي 2% إلى 2.4%، في ظل اعتبارات أن إدارة ترامب تسعى لتحفيز الاقتصاد قبل انتخابات الكونغرس المقبلة.
في الوقت الذي تعاني فيه الاقتصادات المتقدمة الأخرى من ركود اقتصادي، تشير الفجوة بين عوائد السندات قصيرة الأجل في الولايات المتحدة ونظيراتها في الدول المتقدمة إلى ارتفاع قيمة الدولار، لكن مؤشر الدولار انخفض بنحو 1.7% حتى الآن هذا العام.
هذا التراجع ليس كارثيًا، لكنه يعكس ضرورة إعادة النظر في سوق العملات من منظور جديد، حيث أشار محللو بنك «سوسيتيه جنرال» إلى أن قيمة اليورو مقابل الدولار تتأثر بشكل كبير بعدم اليقين في الولايات المتحدة.
تظهر علامات تآكل المؤسسات الأمريكية، وبالأخص البنك المركزي، في محافظ الاستثمار، حيث كشفت بيانات الوظائف الأمريكية الأسبوع الماضي عن إضافة 130 ألف وظيفة جديدة في يناير، وهو ما جاء مخالفًا للتوقعات المتشائمة.
ورغم بعض التعديلات على بيانات الأشهر الأخيرة، إلا أن النتيجة كانت قوية، مما أدى إلى انخفاض طفيف في سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين وارتفاع طفيف في العائدات، نتيجة الشعور بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع قليلاً خلال الفترة المتبقية من العام.
ومع الظروف الحالية، من المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى ارتفاع الدولار، حيث عادة ما تجعل أسعار الفائدة المرتفعة العملة أكثر جاذبية.
لكن الوضع مختلف هذه المرة، حيث يقول روبن بروكس، الباحث البارز في معهد «بروكينغز»، إن الدولار ظل مستقرًا رغم تحركات أسعار الفائدة، مما يشير إلى تغير في الارتباط، حيث ينظر إلى الاحتياطي الفيدرالي على أنه مُسيّس بشكل متزايد، مما يدفع الأسواق إلى بيع الدولار عند صدور بيانات اقتصادية قوية.
بشكل غريب، قد يعتبر بعض مستشاري ترامب هذا انتصارًا، حيث يفضل البعض ضعف الدولار لتعزيز انتعاش وظائف التصنيع في الولايات المتحدة، لكن يبقى الحكم على هذا الأمر معلقًا، إذ يمكن أن يتفاقم الوضع بسهولة ويؤثر على كيفية تعامل المستثمرين غير الأمريكيين مع الأصول الأمريكية لسنوات قادمة.
من المعروف أن صناديق التقاعد والمستثمرين على المدى الطويل يجدون صعوبة في التخلي عن عادة شراء الأسهم الأمريكية، رغم المخاطر السياسية الجديدة التي ظهرت في ظل ولاية ترامب.
كما قد يستغرق الأمر شهورًا لإقناع لجان الاستثمار بأن الاعتماد على الأسهم الأوروبية والابتعاد عن الأسواق الأمريكية هو مخاطرة تستحق المجازفة.
يُعتبر التحوط من مخاطر الدولار عن طريق بيع الدولارات مع الاستمرار في شراء الأصول الأمريكية خيارًا أسهل، لكن فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة إدارة الأصول الأوروبية «أموندي»، يواجه صعوبة في إقناع العملاء بالابتعاد عن الأوزان التقليدية للأسهم الأمريكية.
على الجانب الآخر، أصبحت الموافقة على التحوط من مخاطر الدولار جزءًا من غالبية تفويضات العملاء الجدد، حيث يعتبر العام الماضي بمثابة جرس إنذار للمستثمرين غير الأمريكيين.
لذا، لا يمكن تجاهل هذه المخاطر، ففي الماضي كانت هناك علاوة أعلى للدولار كونه العملة الاحتياطية الحقيقية الوحيدة، أما الآن، فهو يواجه تحديات جديدة، حيث كان من المتوقع أن تتراوح العلاوة بين 5% و10%، لكن لم يعد هناك داعٍ لدفعها.
من الناحية الحسابية، من المتوقع أن ينخفض الدولار تدريجيًا، وكل هذا لا يتعلق بـ «بيع أمريكا»، بل بـ «التحوط ضد أمريكا»، لكن التأثير على الدولار هو نفسه، وكلما استمر هذا الوضع، زادت عمليات التحوط وتفاقم ضعف الدولار، بغض النظر عن قوة الاقتصاد الأمريكي نفسه، حيث يقول بروكس: «نحن ندخل حقبة جديدة، سيشهد النمو الأمريكي ازدهارًا هذا العام، لكن الدولار سينخفض»

