تتجه الأنظار نحو تراجع قيمة الدولار الأمريكي الذي يثير تساؤلات حول تأثيره المباشر على الأسواق والاقتصادات العالمية، حيث يُعتبر هذا التراجع بمثابة إعادة توزيع الأعباء الاقتصادية، مما ينعكس بشكل خاص على الدول النامية التي تعاني من تبعات هذا التحول العميق في النظام المالي الدولي.
ما يحدث اليوم هو إدارة مدروسة لأزمة ديون أمريكية بنيوية، حيث تُعاد توزيع الكلفة على الاقتصاد العالمي، مما يضع ضغوطًا إضافية على الدول التي تعتمد على الدولار في معاملاتها الاقتصادية.
لم يعد الدولار مجرد عملة وطنية، بل أصبح العمود الفقري للنظام المالي الدولي، وهذا الموقع منح الولايات المتحدة ما يُعرف بـ«الامتياز الباهظ» الذي يسمح لها بالاقتراض بعملتها الخاصة وتمويل عجزها المزمن، مما يؤدي إلى تخفيف العبء الحقيقي للديون عبر التضخم أو تراجع قيمة العملة.
الأزمة ليست في طريقها للحل، بل تُعاد تصديرها إلى الخارج، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ضعف الدولار مجرد ظاهرة سوقية أم يعكس إعادة ضبط استراتيجية شاملة.
تراجع الدولار خلال السنوات الأخيرة يتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين السياسي، بالإضافة إلى تغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية، إلا أن اعتبار هذا التراجع علامة على تراجع الهيمنة الأمريكية يغفل حقيقة أن البنية المالية الأمريكية القوية لا تزال قائمة، رغم أنها أقل استقرارًا مما كانت عليه سابقًا.
تشير بيانات حديثة إلى أن احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية تجاوزت 4 تريليونات دولار، بينما تقدر سندات الخزانة الأمريكية بحوالي 3.9 تريليونات دولار، وهذا التحول لا يعكس تخليًا عن الدولار، بل تحوطًا متزايدًا من المخاطر المرتبطة به، فالعالم لا يغادر الدولار لكنه لم يعد مستعدًا للاعتماد عليه بشكل كامل.
ما يحدث هو إدارة دين لا يمكن سداده، حيث تجاوز الدين العام الأمريكي 34 تريليون دولار، وهو مستوى يجعل السداد التقليدي أمرًا غير واقعي اقتصاديًا، ولم تكن الاستجابة التقليدية تقشفًا حادًا، بل مزيجًا من تضخم أعلى نسبيًا ودولار أضعف بشكل منضبط، مما يحافظ على الدين اسميًا مع تآكل قيمته الحقيقية، وبهذه الآلية تُخفف الولايات المتحدة ضغط أزمتها الداخلية بينما يتحمل حائزو الأصول الدولارية حول العالم جزءًا متزايدًا من الكلفة.
الأثر الأشد يظهر في الاقتصادات النامية، حيث يُتوقع أن يتباطأ نمو هذه الاقتصادات إلى نحو 3.8% في عام 2025 مقارنة بـ 4.2% في 2024، وذلك في ظل تباطؤ التجارة العالمية وتشدد الأوضاع المالية، وتكمن هشاشة هذه الاقتصادات في انكشافها البنيوي للدولار، فالاقتراض الخارجي مقوّم بالدولار، والواردات الأساسية مسعّرة بالدولار، والاحتياطيات مُكدّسة بالدولار، مما يجعل أي إعادة ضبط في قيمة الدولار تؤدي إلى صدمة اقتصادية داخلية مباشرة.
المشكلة ليست في الدولار وحده، بل في كيفية اندماج الاقتصادات النامية في النظام العالمي، الذي يعتمد على الاستيراد بدل الإنتاج، والتدفقات المالية بدل القيمة المضافة، والسيولة الخارجية بدل الصلابة الداخلية.
في هذا السياق، يصبح الدولار مصدر اختلال دائم بدلاً من كونه أداة استقرار.
يمكن القول أن الدولار لا ينهار لكنه يعيد هندسة أزمته، حيث تعيد الولايات المتحدة توزيع كلفة اختلالاتها البنيوية عبر النظام النقدي العالمي، وما دامت الاقتصادات النامية عالقة في نموذج التبعية الدولارية، فإنها ستظل تتحمل نصيبًا غير متكافئ من هذه التعديلات.
الاحتفاء بتراجع الدولار بوصفه إنجازًا هو قراءة مضللة، فالمسألة الحقيقية ليست سعر العملة، بل غياب استراتيجية إنتاجية تقلل الانكشاف وتحوّل العملة من عبء إلى أداة نمو.
الدولار مستمر ليس لأنه بلا عيوب، بل لأنه ما زال يملك قواعد اللعبة.
اقرأ أيضاًصندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العامين الحالي والمقبل.
بختام يناير 2026.. الدولار يسجل أدنى مستوى أمام الجنيه المصري منذ أكثر من 20 شهرًا.
قبل قرار الفيدرالي اليوم.. كم سعر الفائدة على شهادات ادخار الدولار في أكبر 3 بنوك؟

