بينما تتجه الأنظار نحو التطورات السياسية في الشرق الأوسط، تبرز سوق السندات العالمية كأحد أبرز المؤشرات الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس وأسواق المال، حيث تشهد هذه السوق مرحلة من إعادة التسعير العنيفة، مما يعني أن تكلفة الاقتراض في العالم في طريقها للارتفاع، وهو ما قد ينعكس سلباً على القرارات المالية اليومية للمواطنين والشركات على حد سواء.

واشنطن… تمويل الحرب يُغرق الأسواق

في الولايات المتحدة، سجل العائد على السندات لأجل 20 عاماً ارتفاعاً ملحوظاً متجاوزاً 5 في المائة، وهو ما يعد علامة على تراجع ثقة المستثمرين في إمكانية خفض الفائدة، حيث جاء هذا الارتفاع نتيجة الحاجة الملحة لتمويل الحروب، مما أدى إلى زيادة معروض السندات وانخفاض أسعارها، وهو ما يرفع العوائد بشكل كبير.

هذا الارتباك في السوق أدى إلى تلاشي الآمال في خفض الفائدة، إذ أن الحرب تعني تضخماً متزايداً بسبب ارتفاع أسعار النفط، مما دفع صناديق التحوط إلى بيع مراكزها لتغطية خسائرها، ليصل عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.39 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ الصيف الماضي، بينما اقترب عائد السندات لأجل 30 عاماً من 5 في المائة بعد تسجيله 4.98 في المائة في تداولات الثلاثاء.

ارتباك «المزادات» وأزمة الثقة

ما زاد من تعقيد المشهد هو ضعف الطلب على المزادات التي طرحتها وزارة الخزانة، حيث لم تتمكن الديون الحكومية الجديدة من جذب المستثمرين كما كان متوقعاً، مما أجبر العوائد على الارتفاع لجذب المشترين، وهو ما يكشف عن عدم استعداد الأسواق لاستيعاب الديون المتزايدة دون علاوة مخاطر مرتفعة.

هذا الارتباك في الاكتتابات يسلط الضوء على أن قدرة الولايات المتحدة على تمويل حروبها عبر الديون بدأت تواجه تحديات مالية حقيقية، مما دفع بعائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.39 في المائة، بينما اقترب عائد السندات لأجل 30 عاماً من 5 في المائة بعد تسجيله 4.98 في المائة في تداولات الثلاثاء.

تشير أرقام وزارة الخزانة إلى أن إجمالي الدين القومي الأميركي تجاوز 39 تريليون دولار، وهو ما يمثل زيادة سريعة في الدين الفيدرالي، مع توقعات بنموه أكثر بسبب العجز المستمر وتكاليف الفائدة.

متداول يستعد لافتتاح السوق في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

من الشاشات إلى البيوت

هذا الارتفاع في العوائد ينعكس بشكل مباشر على المواطن الأميركي، حيث قفز الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً إلى 6.53 في المائة، ومع انخفاض طلبات إعادة التمويل بنسبة 19 في المائة، يبدو أن موسم الشراء الربيعي في القطاع العقاري يواجه أزمة حقيقية، مما يبرز تأثير الحرب على الاقتصاد من خلال زيادة الأعباء على المقترضين.

بريطانيا واليابان في عين الإعصار

في الجانب الآخر من الأطلسي، تعاني السندات البريطانية من ارتفاع العوائد، حيث تجاوزت مستويات أزمة 2008، مما يعكس حساسية السوق البريطانية تجاه صدمات الطاقة، ويعاني المستثمرون من علاوة مخاطر إضافية بسبب الاعتماد على الغاز المستورد، مما يبدد آمال خفض الفائدة من بنك إنجلترا.

حتى اليابان، التي كانت تعتبر استثناءً، لم تسلم من تداعيات هذه الأزمة، حيث اقتربت عوائد السندات اليابانية من أعلى مستوياتها منذ عقود، ومع تصاعد التضخم العالمي، يجد البنك المركزي الياباني نفسه مضطراً للتخلي عن سياسات التيسير، مما يزيد الضغط على السيولة العالمية ويرفع تكلفة الدين في دولة تُعد من أكبر حائزي السندات الأميركية.

تُعرض إحصاءات سوق الأسهم على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«الآلة» الخفية… كيف تعمل عوائد السندات؟

لفهم تأثير ارتفاع عوائد السندات، يجب إدراك العلاقة العكسية بين سعر السند وعائده، فعندما يبيع المستثمرون سنداتهم بكثافة، ينخفض سعر السند في السوق، مما يؤدي إلى ارتفاع العائد لتعويض المخاطر وجذب مشترين جدد.

ارتفاع العوائد يحمل تداعيات سلبية على عدة أصعدة، منها إعادة تسعير الديون، حيث تعتبر عوائد السندات الحكومية معياراً لجميع القروض الأخرى، مما يعني أن ارتفاعها يرفع فوراً فوائد الرهن العقاري وقروض السيارات، مما يعيق الاستهلاك والنمو، كما أن ارتفاع العوائد يضر بأسواق الأسهم، حيث يبحث المستثمرون عن عوائد آمنة بدلاً من المخاطرة في الأسهم، مما يفسر تراجعات مؤشرات وول ستريت.

في ظل هذه الظروف، تضطر واشنطن لطرح كميات ضخمة من السندات لتمويل الحروب، وفي المقابل يتردد المستثمرون في الشراء، مما يؤدي إلى فشل الاكتتابات وارتفاع العوائد لمستويات قياسية لجذب السيولة.

إن ارتفاع العوائد الذي نشهده اليوم ليس مجرد رقم على شاشات التداول، بل هو إشارة واضحة من الأسواق بنهاية عصر السيولة الرخيصة، حيث وضعت الضغوط المالية الناتجة عن الحروب حداً لزمن الأموال السهلة، مما يعني إعادة تسعير قاسية لكل شيء، من رغيف الخبز إلى قروض المنازل، والأسواق لم تعد تشتري الوعود السياسية بل تطالب بثمن باهظ مقابل كل دولار تقترضه من واشنطن أو لندن، مما يبرز أن فاتورة الحرب تُدفع الآن من صلب الاستقرار المالي العالمي.

السوق ليست معطلة بل تعمل بدقة لتخبر العواصم الكبرى أن مخاطر التضخم الجيوسياسي تتفوق على مخاطر النمو، وعجز السندات عن القيام بدورها التقليدي كملاذ آمن رغم بيانات النمو الضعيفة يختصر المشهد، حيث يعيد العالم تسعير الديون بناءً على واقع حربي جديد، وواشنطن ولندن وطوكيو جميعاً في مركب واحد يواجه أمواجاً تضخمية عاتية.