تتجه الأنظار نحو الأسواق الناشئة، بما في ذلك مصر، مع الانخفاض الملحوظ في قيمة الدولار الأميركي، حيث يفتح هذا الانخفاض نافذة جديدة لتخفيف أعباء العملة الصعبة وإعادة ترتيب الأولويات المالية، في وقت يبدو أن واشنطن تتعامل مع هذا الهبوط كجزء من معادلة تنافسية أوسع في الاقتصاد العالمي.

ورغم تراجع الدولار بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، لا ينظر الخبراء إلى هذا الضعف كأزمة طارئة، بل كتحرك محسوب يعيد تشكيل موازين التجارة والديون على الصعيد العالمي.

تراجع الدولار الأميركي بنحو 9% على أساس سنوي مقابل سلة من العملات الرئيسية، ليسجل أدنى مستوى له منذ مارس 2022، وسط توقعات باستمرار الضغوط الهبوطية خلال الفترة المقبلة.

وخلال زيارة له لولاية أيوا، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عدم قلقه من تراجع الدولار، واصفًا الأمر بـ”الرائع”، مشيرًا إلى قيمة الدولار وحجم الأعمال الأميركية، حيث قال إن الدولار في وضع رائع.

ضعف الدولار.. متنفس للأسواق الناشئة ومصر

أوضح محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن تراجع الدولار يمثل عاملًا إيجابيًا لمعظم الأسواق الناشئة، خاصة الدول التي تتحمل التزامات خارجية مقومة بالعملة الأميركية.

وأضاف أن انخفاض الدولار يخفف العبء النسبي لخدمة الديون الخارجية، كما يساهم في تقليص فاتورة الاستيراد بالنسبة للدول صافية الاستيراد للسلع الأساسية، وهي سمة تنطبق على الاقتصاد المصري، حيث يعني تراجع العملة الأميركية عالميًا انخفاض تكلفة الواردات المسعرة بها، مما يخفف الضغوط على الميزان التجاري.

وأشار نجلة إلى أن هيكل التجارة الخارجية لمصر يمنحها ميزة إضافية، إذ يتم توجيه جزء معتبر من الصادرات إلى أسواق أوروبية أو بعملات غير الدولار، بينما تسعر نسبة كبيرة من الواردات بالدولار، مما يخلق معادلة أكثر توازنًا حال ضعف العملة الأميركية أمام العملات الأخرى.

كما لفت إلى استفادة قطاع السياحة من تحركات أسعار الصرف، حيث يعزز ذلك الجاذبية النسبية للمقصد السياحي المصري ويدعم تدفقات النقد الأجنبي.

واعتبر أن المرحلة الحالية تمثل فرصة للأسواق الناشئة لإعادة ترتيب أوضاعها المالية وتقليل الضغوط المرتبطة بالعملة الصعبة، شريطة توظيف هذه التطورات ضمن سياسات اقتصادية منضبطة تدعم الاستقرار الكلي.

تحرك مدار يدعم التجارة العالمية

قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن ضعف الدولار يعد إيجابيًا للدول المستوردة، لا سيما الأسواق الناشئة، إذ يخفض تكلفة الواردات المقومة به، مما يساهم في تهدئة الضغوط التضخمية وتحسين الميزان التجاري.

وأضاف أن انخفاض الدولار يعزز القدرة التنافسية للصادرات الأميركية، مما قد يدعم نمو الاقتصاد العالمي عبر تنشيط حركة التجارة.

وأوضح معطي أنه من الناحية النظرية قد ينظر إلى ضعف العملة كعامل سلبي للاقتصاد الأميركي، إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى خفض قيمة الدولار نسبيًا لدعم صادراتها، خاصة في ظل المنافسة مع الصين.

وأشار إلى أن التصريحات الصادرة مؤخرًا عن مسؤولين أميركيين تعكس قبولًا بالمستويات الحالية للدولار، مما يوحي بأن التراجع يتم في إطار مدار وليس نتيجة اضطرابات مفاجئة.

وعلى مستوى الأسواق، أوضح معطي أن ضعف الدولار يدعم عادة أسعار الذهب بحكم العلاقة العكسية بينهما، كما قد يعزز أداء البورصات العالمية مع إعادة توجيه الاستثمارات نحو الأصول الأعلى عائدًا، أما النفط، فاستفادته من تراجع الدولار تبقى مرهونة أيضًا بعوامل العرض والطلب والتطورات الجيوسياسية.

وشدد على أن أحد أبرز المكاسب يتمثل في تخفيف عبء الديون على الدول المدينة، إذ يؤدي انخفاض قيمة الدولار إلى تقليص التكلفة الفعلية لخدمة الديون المقومة به، مما يمنح هذه الدول مساحة مالية أوسع.

استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب المشهد العالمي

بدوره، رأى الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن تراجع الدولار لا يمكن اعتباره مجرد ضعف عابر، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية.

وأوضح أن الولايات المتحدة تستفيد من هذا المسار عبر عدة محاور، منها تعزيز قيمة احتياطياتها، خاصة في ظل الارتفاعات القياسية لأسعار الذهب، مما يدعم القوة المالية على المدى المتوسط والطويل.

وأشار النحاس إلى أن واشنطن توظف تقلبات الأسواق العالمية لإعادة تسعير الأصول وتقليص أعباء مالية تراكمت على مدار سنوات، معتبرًا أن إدارة التحركات النقدية والمالية تتم بصورة مقصودة ضمن إعادة توزيع للأدوار الاقتصادية عالميًا.

وأضاف أن تحركات العملات الرئيسية، مثل الين واليورو، تدخل ضمن معادلة تنافسية أوسع تؤثر في مراكز التصنيع والتصدير، سواء في آسيا أو أوروبا، بينما تراهن الولايات المتحدة بقوة على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، كمحرك للنمو خلال المرحلة المقبلة.

وأكد النحاس أن تراجع الدولار لا ينتقص من مكانته كعملة تسعير رئيسية للذهب والنفط والأصول الرقمية، مما يعني أن الطلب العالمي على هذه الأصول يظل داعمًا للدولار بصورة غير مباشرة، واعتبر أن ما يحدث يمثل إدارة محسوبة للتحولات الاقتصادية العالمية، وليس أزمة عشوائية.