الدولار الأمريكي.
يشهد الدولار الأمريكي، الذي يعد العملة الأكثر هيمنة في العالم، تقلبات حادة أثارت قلق المستثمرين وأثرت على حركة الأسواق بشكل مباشر، حيث تأتي هذه الاضطرابات في ظل تحركات سياسية غير متوقعة من البيت الأبيض، مما يعكس مخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهي عوامل أعادت إحياء استراتيجيات التداول المعروفة ببيع أمريكا.
ورغم التوقعات باستمرار ضعف العملة الأمريكية على المدى الطويل، إلا أن الأسواق تفاجأت بانتعاشات غير متوقعة في قيمته، مما أربك حسابات المتداولين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تقلبات عنيفة، سواء في حالات الانخفاض الحاد أو الصعود المفاجئ.
سوق المعادن والسلع
شهد شهر يناير تقلبات دراماتيكية، حيث انخفض مؤشر الدولار بنسبة 2% في أسبوع واحد ليصل إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات، ثم عاد لينتعش بقوة، مما أحدث فوضى في قطاع المعادن.
وجاء الانتعاش بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بترشيح كيفن وارش، المحافظ السابق في الاحتياطي الفيدرالي، لخلافة جيروم باول، مما أدى إلى انهيار سريع في سوق المعادن؛ فالذهب الذي سجل أفضل أداء شهري له منذ نصف قرن في يناير، هوى بنسبة 5% يوم أمس الإثنين، مسجلاً أكبر انخفاض يومي له منذ أوائل الثمانينيات، قبل أن يسترد جزءًا من قيمته اليوم الثلاثاء.
وبحسب مذكرة لـ سوسيتيه جنرال، فإن المتداولين الذين راهنوا على ضعف الدولار واستغلوا ارتفاع المعادن، فوجئوا باختفاء هذا التوجه بسرعة، ولم يقتصر الأمر على الذهب، بل طال الانخفاض الحاد أسعار الفضة والنحاس، بينما اتجه خام برنت نحو أسوأ أسبوع له منذ شهرين بعد مكاسب قوية بلغت 16% في يناير.
أسواق العملات
في سوق العملات العالمي، الذي يبلغ حجم تداولاته اليومية نحو 10 تريليونات دولار، بلغت التقلبات مستويات قياسية، وسجل مؤشر سعر صرف اليورو مقابل الدولار أعلى مستوى للتقلبات المتوقعة منذ يوليو الماضي.
وأشارت “كابيتال إيكونوميكس” إلى ظاهرة مقلقة، وهي انفصال الدولار عن مقاييس التقييم التقليدية، مثل الفجوة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان أو أوروبا.
من جانبه، قام بنك “باركليز” باحتساب علاوة مخاطر السياسة الأمريكية، مؤكدًا أن العملة باتت رهينة لخطاب البيت الأبيض ومنفصلة عن التوقعات الاقتصادية الكلاسيكية، مما يصعّب على المستثمرين الأجانب تقييم الأصول المقومة بالدولار.
وتساءل ثيموس فيوتاكيس، المحلل في باركليز: هل سيفقد العالم ثقته في قاعدة الأصول الأمريكية؟
بيع الأصول الأمريكية
يمتلك المستثمرون الأجانب أصولًا أمريكية تقارب قيمتها 70 تريليون دولار، وهو ضعف ما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان، وبدأ مديرو الأموال الأوروبيون بإعادة تقييم حجم انكشافهم على هذه الأصول.
وحذر محللو “بنك أوف أمريكا” من أن ضعف الدولار، وإن كان يعزز أرباح الشركات الأمريكية عالميًا، إلا أن الانخفاض غير المنظم قد يقلب الطاولة، حيث إن أي خسارة شهرية بنسبة 5% في قيمة الدولار قد تؤدي إلى بيع حاد لسندات الخزانة طويلة الأجل، مما يتسبب في تشديد مالي كبير داخل الولايات المتحدة.
وأضاف البنك أن تزامن انخفاض الدولار مع تراجع الأصول المحلية يمثل خطرًا وجوديًا على المحافظ الاستثمارية.
البحث عن الملاذات الآمنة
دفع الغموض كبار مديري الأصول إلى اتخاذ إجراءات احترازية؛ حيث أعلن أوليفر بلاكبيرن من شركة “جانوس هندرسون” عن تحويل محفظته نحو الموقف المحايد، مخفضًا استثماراته في الأسهم والذهب لتفادي تقلبات الدولار المسيسة.
وفي سياق متصل، لجأ جون ستوبفورد من شركة “ناينتي ون” إلى استراتيجيات التحوط عبر شراء خيارات بيع وشراء متقابلة لتغطية عدم اليقين بشأن عوائد السندات.
وبدأت صناديق التحوط بالتراجع عن الاستثمار في أصول أمريكا الشمالية، مدفوعة بالتوترات التجارية المتصاعدة والضبابية السياسية التي تخيم على المشهد في واشنطن.

