شهد الدولار الأميركي تراجعًا ملحوظًا منذ منتصف الشهر الماضي، حيث استمرت العملات الأخرى في الصعود أمام العملة الأميركية، بينما تعززت حيازات البنوك المركزية للذهب في خطوة تعكس التخلي عن الدولار، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على الأسواق المالية والقرارات الاقتصادية اليومية.

تعتبر بنوك الاستثمار أن تراجع حصة الدولار يعود إلى التحولات الجيوسياسية وظهور أنظمة دفع جديدة لا تعتمد على العملة الأميركية، ورغم ذلك، فإن انخفاض الدولار يحمل رسالة سلبية للولايات المتحدة تعكس انعدام الثقة في قوتها الاقتصادية.

بدأت موجة انخفاض الدولار الأميركي في مطلع 2025 مع عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، حيث سجلت العملة تراجعًا بنسبة 12% من سعر الصرف الفعلي، وهذا يأتي بعد فترة طويلة من الارتفاع الذي تجاوز 45% بين منتصف عام 2011 ومطلع عام 2025، وفق تحليل من بنك بي إن بي باريبا.

يشير التقرير إلى أن الدولار ليس ضعيفًا اليوم، بل هو أقل قوة مما كان عليه سابقًا، ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه المتراجع يعتبر مثالًا على رد فعل غير معتاد في أوقات النفور من المخاطرة، حيث كان الدولار تاريخيًا ملاذًا آمنًا يميل إلى الارتفاع في مثل هذه الأوقات.

الذهب يزيح الدولار قليلاً

تشير البيانات الأخيرة إلى تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية، حيث انخفضت من 58% في 2015 إلى 42% حاليًا، بينما ارتفعت حصة الذهب من 8% إلى 20% من هذه الاحتياطات، وتوقعات بنك استثمار مورجان ستانلي تشير إلى استمرار الطلب على الاحتياطيات غير المقومة بالدولار.

وبحسب بنك بي إن بي باريبا، فإن الدولار الأميركي لم يعد يستفيد من دوره كملاذ آمن كما كان في السابق، إذ أن سياسات ترامب قيدت دوره، حيث تؤثر الاستراتيجية الاقتصادية لإدارة ترامب على استقرار العديد من ركائز هيمنة أميركا، بما في ذلك استقلالية الاحتياطي الفيدرالي وسلامة الأصول المقومة بالدولار.

دوتشيه بنك يتفق مع هذا الرأي، مشيرًا إلى أن التوقعات لا تشير إلى تراجع كبير في مكانة الدولار، بل قد يعاد تشكيل دوره ضمن نظام مالي عالمي أكثر تعقيدًا.

اليوان يهدد عرش الدولار

في عام 2022، ألمح بنك مورجان ستانلي إلى أن الصين تُشكل تكتلات نقدية وتبني أنظمة دفع بديلة لمنافسة القنوات التي يهيمن عليها الدولار الأميركي، حيث يقول مورجان ستانلي في تقرير حديث إن هذا الهيكل أصبح أكثر تطورًا بشكل ملحوظ، مع اعتماد خلق الائتمان في آسيا بشكل متزايد على الإقراض باليوان والعملات المحلية بدلاً من القروض المقومة بالدولار.

حاليًا، تسوي الصين أكثر من 30% من تجارتها باليوان، مما جعله ضمن أكبر 3 عملات مستخدمة في تمويل التجارة عالميًا، وقد أنشأت الصين بنوك مقاصة خارجية في 33 سوقًا لتسهيل المدفوعات باليوان، بينما تتجه أعداد متزايدة من الدول، بما في ذلك الهند والإمارات والبرازيل ودول رابطة آسيان، إلى تسوية تجارتها بعملاتها المحلية.

يخلص تقرير مورجان ستانلي إلى أن الدولار ما زال عملة الارتكاز العالمية، لكن المنافسة أصبحت أكبر، والاتجاه طويل الأجل يميل نحو تعدد مراكز القوة النقدية بدلاً من نظام أحادي القطب كما كان سابقًا.