تتزايد المخاطر المحيطة بالأسواق العالمية مع انتشار القوات الأمريكية بشكل واسع في المنطقة، مما يرفع من احتمالية حدوث ضربة وشيكة على إيران، الأمر الذي قد يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال وأسعار النفط، حيث يظل الدولار الأمريكي ملاذاً آمناً في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية، لكن الأسواق لا تزال مترددة في تسعير هذا الاحتمال بالكامل، مما يفتح المجال لمزيد من المكاسب للدولار إذا استمر التصعيد، وقد تكون بيانات اليوم الاقتصادية أقل تأثيراً في ظل هذه الظروف.

الدولار الأمريكي: مساحة كافية للصعود في حال التصعيد

التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران أدت إلى تراجع تأثير المحركات الأخرى في السوق، مما دعم الدولار في ظل ارتفاع أسعار النفط، ويبرز هذا الوضع خاصية رئيسية للدولار في أسواق ما بعد “يوم التحرير”، حيث تتراجع جاذبيته كملاذ آمن، لكنها تعود بقوة عندما تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى صدمات نفطية، والسبب في ذلك هو أن الملاذين الآمنين البديلين، اليورو والين الياباني، يعتمدان بشكل كبير على واردات الطاقة، مما يجعلهما أقل جاذبية عند ارتفاع أسعار الخام.

أسعار النفط تتبع عن كثب الاحتمالية الضمنية لضربة أمريكية على إيران بحلول 31 مارس وفقاً لمنصة بوليماركت منذ أوائل فبراير، وقد ارتفعت هذه الاحتمالية إلى 60%، لتتطابق مع المستويات التي سجلت في نهاية يناير عندما كان خام برنت يتداول في نطاق 71-72 دولاراً، وإذا استمرت هذه العلاقة، فإن وصول الاحتمالية إلى 100% قد يعني ارتفاع السعر إلى 75-76 دولاراً، والسؤال الرئيسي لاستدامة ارتفاعات الخام هو ما إذا كانت إيران ستغلق مضيق هرمز، وهو أمر لا يزال مُسعراً جزئياً فقط، بنسبة 18% بحلول نهاية مارس، و35% بحلول نهاية العام.

رد فعل الدولار كان واضحاً، لكنه لم يكن كبيراً، خاصة بالنظر إلى نقطة انطلاقه كعملة مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية مقارنة بالأساسيات قصيرة المدى، وهذا يعكس درجة من تردد السوق في تسعير المخاطر الجيوسياسية بعد حلقات متكررة من خفض التصعيد السريع خلال العام الماضي، ومع ذلك، فإن الحشد العسكري الأمريكي الحالي في الشرق الأوسط هو الأكبر منذ عام 2003، مما يثير تكهنات بأن هذا الحجم قد يكون أكبر من مجرد استعراض للقوة قبل المفاوضات، كما حذرت الأمم المتحدة من أن التحرك الأمريكي قد يغلق النافذة الدبلوماسية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح إلى إطار زمني يتراوح بين 10 إلى 15 يوماً للاتفاق على صفقة نووية، رغم أن بعض التقارير تشير إلى دراسة توجيه ضربة مبكرة محدودة، ونعتقد أن الأسواق بحاجة إلى رؤية عناوين مشجعة حول الجهود الدبلوماسية وتراجع حدة الخطاب العسكري لبيع الدولار في هذه البيئة، وقد يكون من المبكر جداً الحصول على ذلك اليوم، وتظل المخاطر تميل نحو صعود الدولار.

في ظل كل ذلك، ستصدر الولايات المتحدة بيانات هامة اليوم، منها تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لشهر ديسمبر والناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع، ونتوقع أن يأتي الأول عند 0.3% على أساس شهري، تماشياً مع التوقعات، مع وجود مخاطر لصدور قراءة أعلى من المتوقع، وبالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، نتوقع نمواً بنسبة 2.7% على أساس سنوي ربع سنوي، وهو قريب جداً من الإجماع البالغ 2.8%، وإذا لم تطرأ تطورات جديدة بشأن إيران اليوم، فقد يكون للمفاجآت في البيانات بعض التأثير، ولكن إذا شهدنا مزيداً من الارتفاع في النفط، فسيكون للدولار مجال واسع لمواصلة الصعود بغض النظر عن البيانات الاقتصادية الكلية.

اليورو: لا يزال مقوماً بأعلى من قيمته مع مخاطر هبوط كبرى

اليورو في وضع سيئ عندما ترتفع أسعار النفط، وما يخفف الخسائر جزئياً هو حالة “عزوف عن المخاطرة” المرتبطة بذلك في أسواق الأسهم وبروز اليورو كبديل للملاذ الآمن مقابل الدولار.

ليس من السهل تقدير تأثير استمرار ارتفاع النفط على زوج اليورو/دولار، نظراً لانخفاض حساسية الزوج للنفط في العام الماضي، وفي نموذجنا الحالي، فإن ارتفاع خام برنت بمقدار 5 دولارات أخرى يعني انخفاض اليورو/دولار بنسبة 1% تقريباً، لكن هذه العلاقة غالباً ما تقوى أثناء صدمات النفط، وتظل المخاطر قائمة بحدوث عمليات بيع أكبر للزوج.

وهذا صحيح بشكل خاص بالنظر إلى أن اليورو/دولار لا يزال يُتداول بنحو 1% فوق القيمة العادلة قصيرة المدى، مما يؤكد ما تمت مناقشته أعلاه حول تردد السوق في تسعير المخاطر الجيوسياسية، وهذا يعني منطقياً مخاطر هبوط أكبر لليورو/دولار، والذي نعتقد أنه قد يهبط حتى مستوى 1.160 في حال حدوث تصعيد كبير.

من الناحية الاقتصادية الكلية، لدينا اليوم مؤشرات مديري المشتريات في منطقة اليورو، ورغم أن مؤشر “زي إي دبليو” المخيب للآمال هذا الأسبوع قد كبح بعض الحماس تجاه استطلاعات اليوم، إلا أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو يجب أن يظل أعلى بكثير من مستوى 50.0، مما يسمح ببعض التفاؤل الطفيف، وسيكون التأثير على اليورو محدوداً في تقديرنا.

الجنيه الإسترليني: أقل تفضيلاً من اليورو

نرى بعض إمكانات الصعود قصيرة المدى لزوج اليورو/إسترليني، فالهشاشة الحالية في شهية المخاطرة وسط المخاطر الجيوسياسية ستضغط على الإسترليني أكثر من اليورو، لكن الديناميكيات المحلية هي التي ستستمر في الضغط على الجنيه.

نتوقع خفض سعر الفائدة في اجتماع بنك إنجلترا في مارس، وهو ما يتم تسعيره حالياً بنسبة 20 نقطة أساس، ولا نزال نتوقع خطوة أخرى في يونيو، وتظل المخاطر السياسية هي الخطر الرئيسي الآخر للجنيه، ويظل تجاوز مستوى 0.880 هو توقعنا الأساسي لزوج اليورو/إسترليني.

الدولار الكندي: في وضع جيد

من المفترض أن يستمر “اللوني” في الأداء الجيد أمام العملات الأخرى في البيئة الحالية، وذلك لكونه بديلاً منخفض التقلب في فضاء عملات السلع، وامتلاكه حساسية خاصة لأسعار النفط وارتباطاً وثيقاً بالدولار الأمريكي.

لا تزال لدينا بعض المخاوف بشأن إعادة مفاوضات اتفاقية (الولايات المتحدة-المكسيك-كندا)، لكن الدولار الكندي هو العملة الوحيدة في مجموعة العشر التي لم يتم تقويمها بأعلى من قيمتها في نموذجنا قصير المدى مقابل الدولار الأمريكي، كما أن قراءة التضخم الكندية التي جاءت أقل قليلاً من التوقعات في وقت سابق من هذا الأسبوع ليست كافية لإحداث تحولات تيسيرية كبرى لدى بنك كندا بعد.

إخلاء المسؤولية:
تم إعداد هذا المنشور من قبل ING لأغراض معلوماتية فقط، دون النظر إلى الوسائل المالية أو الوضع المالي أو الأهداف الاستثمارية لأي مستخدم بعينه، لا تُعد المعلومات الواردة توصية استثمارية، كما أنها لا تشكل نصيحة استثمارية أو قانونية أو ضريبية، ولا تمثل عرضًا أو دعوة لشراء أو بيع أي أداة مالية، اقرأ المزيد

المقال الأصلي.