تسجل الأسواق المالية حالة من الترقب بعد أن أظهرت التقارير الأخيرة تأثيرات سياسات الرئيس الأمريكي ترامب على الدولار الأمريكي، حيث قد تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على الواردات إلى تغييرات جذرية في حركة الأموال وقرارات المستثمرين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العملة الأمريكية في النظام المالي العالمي

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استحوذ الدولار على لقب العملة الاحتياطية العالمية، وذلك بفضل مؤتمر بريتون وودز الذي عُقد في يوليو 1944، حيث سعى لوضع هيكل جديد للاقتصاد العالمي يضمن السلام الدائم من خلال تعزيز التجارة وتقليل الرسوم الجمركية، كما أن الولايات المتحدة أنشأت نظام أسعار صرف ثابتة في ذلك المؤتمر، ملزمة الدول بتثبيت عملاتها مقابل الدولار، بينما تعهدت بتغطية قيمة الدولار باحتياطياتها من الذهب.

لكن في أوائل السبعينيات، انهار نظام بريتون وودز بعد أن قامت الولايات المتحدة بطباعة كميات هائلة من الدولارات لتغطية ديونها، مما أدى إلى فقدان الدولار لربطه بالذهب، ورغم ذلك، استمر الدولار في الهيمنة كعملة رائدة عالمياً، ويعود ذلك إلى قوة الاقتصاد الأمريكي وثقة المستثمرين في جدارة الولايات المتحدة الائتمانية، حيث كان يُنظر إلى الدولار وسندات الخزانة كملاذ آمن حتى الثاني من أبريل 2025.

ما هي تبعات سياسات ترامب على الدولار الأمريكي؟

في الثاني من أبريل 2025، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية مرتفعة تتراوح بين 10 و49 بالمئة على معظم الواردات، مبرراً ذلك بأن الرسوم السابقة كانت تؤثر سلباً على الاقتصاد المحلي، وقد أطلق على هذا اليوم “يوم التحرير” ليكون نقطة تحول.

لكن النتائج جاءت عكس المتوقع، حيث انخفض مؤشر داو جونز بأكثر من 1600 نقطة، أي ما يعادل حوالي 4 بالمئة، وتراجعت أسعار الأسهم في البورصات العالمية، مما أثار مخاوف من حرب تجارية قد تؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي.

نتيجة لهذه السياسات، شهدت الولايات المتحدة عزوفاً عن السندات والدولار وزيادة في أعباء الفائدة، ويبدو أن الفريق الاقتصادي لترامب لم يتوقع هذه العواقب، مما يثير تساؤلات حول استمرارية الدولار كعملة رائدة.

هل يحاول ترامب خفض قيمة الدولار الأمريكي؟

تؤثر قوة الدولار على أسعار السلع والخدمات الأمريكية، مما يجعلها أغلى للتصدير، بينما يؤدي ضعف الدولار إلى جعل المنتجات الأمريكية أرخص في الأسواق الخارجية، وهذا يتماشى مع أهداف ترامب في تشجيع شراء المنتجات الأمريكية.

يعتبر خبراء ماليون، مثل آرثر برونر من بنك تداول الأوراق المالية ICF، أن هذا النهج محفوف بالمخاطر، حيث أن ضعف الدولار قد يعني فقدان الثقة في القوة الاقتصادية الأمريكية، وهو ما ينعكس سلباً على قيمة الدولار مقابل اليورو.

فقدان الثقة هذا يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار الفائدة على سندات الخزانة، مما يزيد من تعقيد الوضع، خاصة مع ارتفاع الدين القومي الأمريكي نتيجة سياسات ترامب.

هل يكون اليورو بديلا للدولار؟

إذا استمرت سياسات ترامب التجارية التصادمية، فقد يفقد الدولار مكانته كعملة احتياط عالمية، مما يفتح المجال لليورو ليكون بديلاً محتملاً.

يمكن أن يؤدي توقع التضخم إلى دفع أسواق رأس المال للمطالبة برفع أسعار الفائدة، كما أن الضغط السياسي الذي يمارسه ترامب على الاحتياطي الفيدرالي قد يزيد من مخاوف المستثمرين.

إذا استمر ترامب في تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فقد يؤدي ذلك إلى تحويل السياسة النقدية إلى أداة سياسية، مما يهدد استقرار الدولار ويعزز فرص اليورو كعملة احتياط عالمية.

الميزة الحاسمة لليورو تكمن في استقلالية البنك المركزي الأوروبي، مما يحميه من التأثيرات السياسية، وهو ما يجعله بديلاً محتملاً للدولار.

أين يقف الاقتصاد الأمريكي حاليا؟

تتراوح أسعار الفائدة الرئيسية للاحتياطي الفيدرالي حالياً بين 3.5 و3.75 بالمئة، بينما بلغ معدل التضخم 2.7 بالمئة العام الماضي، ويهدف الاحتياطي الفيدرالي إلى الوصول إلى 2 بالمئة.

يتوقع المواطنون الأمريكيون أن تبقى معدلات التضخم مرتفعة، حيث تشير استطلاعات جامعة ميشيغان إلى متوسط يتجاوز 6 بالمئة، مع توقعات بأن تصل معدلات التضخم إلى 15 بالمئة أو أكثر.

رغم استقرار معدل البطالة، إلا أن سياسات إدارة ترامب الصارمة بشأن الهجرة تؤثر على سوق العمل، حيث تشير توقعات مؤسسة بروكينغز إلى أن صافي الهجرة قد ينخفض إلى حوالي الصفر بحلول 2025، مما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف العمالة وبالتالي زيادة التضخم.

تحرير: حسن زنيند