أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول تراجع سعر صرف الدولار ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية، حيث تركزت الأنظار على تأثير هذه التصريحات على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية، وسط توقعات بمزيد من التراجع في قيمة الدولار خلال الفترة المقبلة، مما يثير قلق المستثمرين والمحللين على حد سواء.

خلال زيارته لولاية “آيوا”، قال ترمب إنه لا يشعر بالقلق من تراجع الدولار، معتبراً أن الوضع الحالي للدولار وقيمة الأعمال الأمريكية ممتاز، ورغم تأكيده على قوة الدولار، إلا أن صحيفة فايننشال تايمز أشارت إلى تصاعد المخاوف في أسواق العملات بسبب ما وصفته بسياسات الرئيس المتقلبة، حيث انخفض الدولار بنسبة 1.3% مقابل سلة من العملات الرئيسية، ليصل إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات، كما تراجع بنسبة 2.6% منذ بداية العام الجاري.

في المقابل، ارتفع الطلب على الملاذات الآمنة، حيث تجاوز سعر الذهب 5200 دولار للأوقية، بينما بلغ سعر الفضة 112 دولاراً للأوقية، وأوضح رئيس قسم الاستثمار بشركة رويال لندن، تريفور غريثام، أن العلاقة بين قوة الذهب وضعف الدولار تعكس الشكوك بشأن السياسات الفوضوية لترمب.

أسباب تراجع سعر صرف الدولار

قال حاتم غندير، رئيس قسم الاقتصاد بقناة الجزيرة، إن الدولار بدأ رحلة التراجع منذ أكثر من عام، مشيراً إلى أن العملة الأمريكية تواجه ضغوطاً عديدة أدت إلى انخفاض سعر صرفها، ومنها:

  • ضغوط جيواستراتيجية ترتبط بالتوترات السياسية والتجارية، وسياسة الإدارة الأمريكية تجاه الشركاء والخصوم
  • وضع الاقتصاد الأمريكي الحالي، خاصة بالنسبة للعجز في الموازنة الأمريكية والديون العامة الهائلة
  • أن الولايات المتحدة على وشك إغلاق حكومي جديد قد يعيد إلى الأذهان الإغلاق السابق نتيجة الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين
  • اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن سعر الفائدة، والذي من المتوقع أن يقوم بتثبيت الفائدة بعد ثلاث تخفيضات سابقة، مما يجعل الدولار أقل جاذبية للمستثمرين مقابل ملاذات أخرى مثل الذهب

وأوضح غندير أن العلاقة بين الدولار والذهب غالباً ما تكون عكسية، إذ كلما ارتفع سعر الذهب قل الإقبال على الدولار بسبب البدائل الأخرى أمام المستثمرين للتحوط من التضخم.

ما هي أسباب تصريحات ترمب بشأن ضعف الدولار؟

أوضح الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات بشركة فورتريس للاستثمار، مصطفى فهمي، أن هناك عوامل عديدة تقف خلف تصريحات ترمب الخاصة بالدولار، منها الداخلي ومنها محاولة لاستباق التطورات المقبلة، حيث قال إن ترمب يحاول التأثير على قرارات الاحتياطي الفدرالي، الذي يعلم أنه لن يقوم بخفض سعر الفائدة، مما يشكل كابوساً بالنسبة له في ظل اقتصاد متراجع وتضخم مرتفع وشعبية متراجعة ودين قارب على الانفجار.

وأضاف فهمي أن ترمب يسعى دائماً للظهور بمظهر المسيطر، مشيراً إلى أنه يستبق ما سيحدث للدولار من أزمات قادمة وتراجع كبير خلال 2026، ويرى أن الأسواق ستأخذ تصريحات ترمب كإشارة سلبية لمستقبل الاقتصاد الأمريكي، الذي أصبح لا يعتمد على المعطيات الطبيعية لأكبر اقتصاد عالمي بل على مزاجية الرئيس، مما قد يهدد أسواق السندات وحاملي الدين الأمريكي.

التأثير على الصادرات الأمريكية

أوضح محللون لموقع بلومبيرغ أن إدارة ترمب ترى أن انخفاض سعر صرف الدولار يمثل ميزة للصادرات الأمريكية التي ستنخفض أسعارها، ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب عليها في الأسواق الدولية، حيث قال كبير الاقتصاديين في بنك ناساو في نيويورك، وين ثين، إن الكثيرين في إدارة ترمب يرغبون في أن يكون الدولار ضعيفاً لكي تصبح الصادرات أكثر تنافسية، لكنه حذر من أن ذلك يشكل مخاطرة محسوبة، إذ قد يكون لخفض سعر صرف الدولار نتائج غير مرغوبة.

من جهته، قال مؤسس شركة “يوريزون” ستيفن جين، إن نظرة إدارة ترمب للدولار تشير إلى بداية مرحلة جديدة من التراجع في قيمته، مشيراً إلى أن الإدارة تهدف إلى دعم سعر صرف يدعم المصدرين الأمريكيين، أما ريدريغو كارتل، المحلل الاستراتيجي لأسواق العملات في بنك أستراليا القومي، فقال إن تصريحات ترمب توضح أن إدارته ليست ضد انخفاض سعر صرف الدولار، لأنه يرفع سعر صرف اليوان الصيني والين الياباني، مما يزيد من أسعار الواردات الصينية واليابانية.

ما هي مخاطر سياسة الدولار الضعيف؟

غير أن سياسة خفض سعر صرف الدولار، التي تهدف أساساً إلى زيادة الصادرات الأمريكية ورفع أسعار الواردات، قد تحمل معها مخاطر للاقتصاد الأمريكي، وفق ما قال روبرت كابلان، نائب رئيس مجموعة غولدمان ساكس، حيث أضاف أن الدولار الضعيف يعزز الصادرات، لكن الولايات المتحدة لديها ديون بقيمة 39 تريليون دولار، وفي الطريق لأن تصبح 40 تريليون دولار، وعندما يكون لديك ديون بهذا الحجم، فإن استقرار العملة يفوق أهمية زيادة الصادرات، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تريد دولاراً مستقراً وتريد استقراراً، مما يساعدها على بيع سندات الخزانة على المدى الطويل.