دخلت الأسواق العالمية في حالة من الاضطراب الشديد بعد ما وصفه المحللون بـ “زلزال الملاذات الآمنة”، حيث شهد الذهب والفضة عمليات تسييل قسرية وعنيفة بعد مستويات قياسية غير مسبوقة، مما يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء، ويبدو أن هذا الاضطراب ليس مجرد تصحيح فني عابر بل هو نتيجة “صدمة سياسية” أحدثها قرار الرئيس دونالد ترامب بترشيح كيفن وارش لقيادة الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما وضع حداً لرحلة صعود تاريخية للمعدن الأصفر بدأت منذ مطلع عام 2025.

رحلة الصعود من القاع إلى «القمة الانفجارية»

وفقاً لبيانات “Investing”، تكشف القراءة التاريخية لعقود الذهب الآجلة عن عام استثنائي؛ حيث تحول المعدن الأصفر من مستويات تحت 3000 دولار في بداية 2025 إلى قمة جنونية ناهزت 5626 دولار في يناير 2026، قبل أن تضرب “مذبحة المعادن” السوق مخلفةً أكبر تراجع شهري من حيث التقلب.

بدأ الذهب رحلته في فبراير 2025 من مستويات متواضعة نسبياً عند 2895.90 دولاراً، ليشرع في مسيرة صعود هيكلية مدعومة بتزايد عدم اليقين العالمي، وخلال النصف الأول من العام، حافظت الأسعار على وتيرة نمو مستقرة، مخترقة حاجز الـ 3300 دولار بحلول يونيو، رغم تسجيل تراجع طفيف بنسبة 1.08% في ذلك الشهر، مما اعتبره المحللون آنذاك “استراحة محارب” قبل الانطلاقة الكبرى.

ومع حلول الربع الأخير من عام 2025، دخل الذهب مرحلة “التسارع الكبير”؛ حيث قفزت الأسعار في سبتمبر بنسبة تجاوزت 10.28% لتغلق عند 3873.20 دولاراً، ولم يتوقف الزخم عند هذا الحد بل واصل المعدن النفيس اختراق الحواجز النفسية الواحد تلو الآخر، لينهي العام فوق مستويات 4357.10 دولاراً، وسط أحجام تداول قياسية بلغت 4.15 مليون عقد في ديسمبر وحده، مما عكس حالة من “الهلع الاستثماري” نحو الملاذات الآمنة مع اقتراب الولاية الثانية لترامب.

وفقاً للكاتب جيمس مور في صحيفة “إندبندنت”، فإن “فوضى المعادن” التي تسيطر على قاعات التداول حالياً، والتي تشبه في حدتها موسيقى “الهيفي ميتال” الصاخبة، هي نتاج مباشر لتحركات دونالد ترامب، ويوضح مور أن الذهب والفضة، اللذين كانا بمثابة “الفلفل الحار” للاستثمار، فقدا بريقهما فجأة بعد بلوغ قمة جنونية في يناير 2026 لامست 5626.80 دولاراً.

ويربط مور هذا الانهيار الدراماتيكي الذي أدى لتراجع الذهب بنسبة 7% في جلسة واحدة ليصل إلى ما دون 4500 دولار والفضة بنسبة 10% بقرار الرئيس ترامب ترشيح كيفن وارش لخلافة جيروم باول، يُوصف وارش بأنه “صقر نقد صلب” وهو خيار أثار ذعر الأسواق التي كانت تتوقع رئيساً يتبع إملاءات البيت الأبيض بخفض الفائدة، فتعيينه يبعث برسالة قوية بأن استقلالية الفيدرالي قد تظل قائمة، مما يضعف جاذبية التحوط بالذهب ضد التضخم وضعف الدولار.

شهد شهر يناير 2026 ما يمكن وصفه بـ “القمة الانفجارية”؛ حيث حلق الذهب لمستوى قياسي مطلق عند 5626.80 دولاراً بنمو شهري 8.91%، إلا أن هذه القمة كانت هشة؛ فبمجرد بروز اسم وارش، تبدل المشهد تماماً، ليتراجع الذهب ويغلق الشهر عند 4745.10 دولاراً، مخلفاً فجوة سعرية تجاوزت الألف دولار بين أعلى وأدنى سعر سجل في يناير (بين 5626 و4339).

ومع دخولنا في فبراير الحالي، يظهر السوق محاولات حثيثة للتماسك عند مستويات 4975.81 دولاراً (بارتفاع 4.86% عن قاع يناير).