تراجع الدولار الأمريكي أمام معظم العملات الرئيسية يوم الاثنين مما يثير تساؤلات حول تأثير التدخل المحتمل من قبل الولايات المتحدة في سوق الصرف الأجنبي على ثقة المستهلكين بعملة الاحتياط العالمية، ويعكس مخاوف من خطوات قد تهدف إلى إضعاف الدولار بشكل مقصود وفقًا لما يعرف بـ«اتفاق مارالاغو» مما قد يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والأسواق.
في ظل هذه الأجواء، ارتفع الين الياباني بنسبة 1% خلال التداولات الآسيوية مقابل الدولار، وسط تكهنات بأن السلطات اليابانية تستعد للتدخل لدعم عملتها المتعثرة، وقد يتضمن ذلك تعاونًا مع الحكومة الأمريكية مما يضيف زخمًا إضافيًا للنقاشات حول التدخل المنسق في سوق العملات.
كما انخفض مؤشر بلومبيرغ للدولار الأمريكي بنسبة 0.4%، ليواصل تراجعه الذي بلغ 1.6% الأسبوع الماضي مما يعكس تراجعًا مستمرًا في قيمة الدولار.
بالنسبة لمراقبي الدولار، فإن الإشارات الداعمة للين الياباني تعيد فتح النقاش حول إمكانية تدخل منسق لخفض قيمة الدولار مقابل عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين، ويعتقد أن مثل هذا الاتفاق قد يساعد المصدرين الأمريكيين على المنافسة بشكل أفضل مع نظرائهم في الصين واليابان.
قال غاريث بيري، الاستراتيجي في مجموعة ماكواري المحدودة، إن انضمام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى هذه الجهود قد يعزز ارتفاع الين، ليس لأسباب رمزية فحسب بل لأن اليابان تمتلك كميات كبيرة من الدولارات للبيع بينما يمتلك بنك الاحتياطي الفيدرالي كميات غير محدودة، مما يُفسر أيضًا على أنه إشارة إلى رغبة ترامب في إضعاف الدولار بشكل عام.
وظهرت التكهنات مجددًا يوم الجمعة عندما أفاد متداولون بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تواصل مع مؤسسات مالية للاستفسار عن سعر صرف الين، ورأت وول ستريت في هذه الاستفسارات تمهيدًا محتملًا لتدخل اليابان بمساعدة من الولايات المتحدة.
التدخل المنسق لدعم الين يعد أمرًا نادرًا، حيث حدث مرة واحدة عام 1998، وأخرى في اتفاقية بلازا عام 1985 بين الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة، ثم ألمانيا الغربية، لإضعاف الدولار.
في مطلع العام الماضي، ناقش المحللون احتمالية التوصل إلى ما يُسمى «اتفاق مارالاغو»، استنادًا إلى ورقة بحثية أعدها ستيفن ميران، الخبير الاقتصادي في إدارة ترامب والعضو الحالي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حول إضعاف الدولار عمدًا.
يقول أنتوني دويل، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «بيناكيل لإدارة الاستثمار»، إن بدء وزارة الخزانة الأمريكية في اتخاذ إجراءات عادةً ما يكون مؤشرًا على أن الأمر قد تجاوز كونه مجرد قضية عادية في سوق الصرف الأجنبي، وأن احتمال اتخاذ إجراء منسق قد يحد من ارتفاع قيمة الدولار مقابل الين، مما يجعل مراكز الشراء بالدولار أكثر هشاشة.
شهد الأسبوع الماضي أسوأ أداء للدولار منذ مايو/أيار، بعد سلسلة من السياسات الأمريكية غير المتوقعة التي هزت الأسواق المالية، حيث لوّح الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على أوروبا بسبب مساعيه لضم غرينلاند، ثم تراجع عنها فجأة، كما هدد بفرض رسوم بنسبة 100% على كندا إذا توصلت إلى اتفاق تجاري مع الصين.
تُلقي المخاطر المحيطة باستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتوقعات بأن يتأثر خليفة الرئيس جيروم باول بضغوط ترامب لخفض أسعار الفائدة بسرعة، بظلالها على الدولار الأمريكي، وقد انخفض مؤشر بلومبيرغ للدولار بأكثر من 9% منذ بداية العام الماضي.
يتجه اليورو نحو منطقة 1.19، مع احتمالية بلوغه أعلى مستوى له في أربع سنوات، في ظل تسارع وتيرة تراجع الدولار.
وفي آسيا، ارتفعت العديد من العملات إلى مستويات ملحوظة، حيث بلغ الدولار السنغافوري أعلى مستوى له منذ عام 2014، والرينغيت الماليزي أعلى مستوى له منذ عام 2018 مقابل الدولار الأمريكي، كما ارتفع الوون الكوري بأكثر من 1%، وفي وقت سابق من هذا الشهر، أبدى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دعمًا لفظيًا نادرًا للعملة.
لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت إدارة ترامب تُفضل فعلاً ضعف الدولار، حيث صرح بيسنت العام الماضي بأن الولايات المتحدة لا تزال تتبنى سياسة «الدولار القوي»، متجاهلاً المخاوف بشأن مكانة الدولار كعملة رئيسية في العالم.
لكن بالنسبة لدانيال بايزا، نائب الرئيس الأول في شركة فرونت كلير، فإن أي مؤشر على تحرك منسق قد يؤثر سلبًا على معنويات المستثمرين تجاه الدولار.
وأشار إلى أن الإشارة الأهم هي تنسيق السياسات، فإذا فسّرت الأسواق هذا التنسيق على أنه استعداد لتقبّل ظروف الدولار العالمية الأكثر تيسيراً، فقد يعزز ذلك من احتمالية انخفاض الدولار على المدى القصير.
وفي سياق آخر، ارتفع سعر الذهب يوم الاثنين إلى ما يزيد عن 5000 دولار للأونصة لأول مرة، وتشهد المعادن النفيسة ارتفاعًا قياسيًا، حيث زادت المخاطر الجيوسياسية المتزايدة من زخم ما يُسمى بـ«تجارة خفض قيمة العملة»، والتي يلجأ إليها المستثمرون للتخلي عن العملات الورقية.

