تشهد الأسواق تحولًا ملحوظًا في موقفها تجاه الدولار الأمريكي بعد سنوات من الارتفاعات المذهلة، حيث تراجع الدولار بنحو 7% العام الماضي، مما أثار تساؤلات حول مستقبل العملة الخضراء في ظل الظروف الاقتصادية الحالية ومع اقتراب الرئيس الأمريكي من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية
تتغير الأجواء المحيطة بالدولار، حيث لم تتحقق المخاوف التي سادت مطلع العام الماضي بشأن هروب رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الأمريكية، بل على العكس، شهد الاقتصاد الأمريكي تسارعًا ملحوظًا، مع احتفاظ الدولار بميزة فارق أسعار الفائدة، مما يعزز من موقفه أمام العملات الأخرى
وعلى الرغم من أن حملة ترامب المتجددة بشأن استقلالية الفيدرالي لم تُحدث صدى كبيرًا في أسواق الصرف، إلا أن الدولار استعاد توازنه منتصف 2025، حيث ارتفع بنحو 2% عن أدنى مستوياته، وعند قياس الأداء بشكل شامل، يتضح أن مؤشر سعر الصرف الحقيقي الفعّال للدولار تراجع بنسبة 7% فقط من مكاسب بلغت 47% بين 2011 ونهاية 2024
تستند المكاسب المستمرة للدولار خلال العقد الماضي إلى تفوق الاقتصاد الأمريكي وأسواقه المالية، وهو تفوق يبدو أنه لا يزال قويًا رغم التحديات الداخلية والخارجية، حيث أنهى الاقتصاد الأمريكي العام بنمو سنوي يتجاوز 4%، مع رفع البنك الدولي توقعات النمو إلى 2.2% في 2026، وهو ما يفوق بكثير توقعات منطقة اليورو واليابان
كما تشير التقديرات إلى أن أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ستنمو بأكثر من 15% العام المقبل، مما يعزز من استقرار توقعات الدولار، حيث أظهر استطلاع لرويترز أن التوقع الوسيط لسعر صرف اليورو مقابل الدولار بعد عام يبلغ 1.20، مما يعني ضعفًا إضافيًا محدودًا للدولار لا يتجاوز 3%
يرى كيت جاكس، كبير استراتيجيي العملات في «سوسيتيه جنرال»، أن السيناريو الوحيد لعودة بيئة سلبية للدولار يتمثل في تصحيح حاد في مؤشرات الأسهم الأمريكية، وهو ما يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي، بينما تغيرت نبرة جورج سارافيلوس من «دويتشه بنك»، الذي لا يزال يتمسك بنظرة سلبية طويلة الأجل، لكنه يعتقد أن أي تراجع جديد يتطلب محفزًا مختلفًا، حيث قال لعملائه: «قناعتنا السلبية تجاه الدولار أضعف مما كانت عليه العام الماضي»
تدور التساؤلات حول ما إذا كان «فك الارتباط الكبير» للدولار قد انتهى، وهو ما توقعه العديد من أعضاء فريق ترامب نتيجة الحرب التجارية الحمائية والضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي، حيث ترتكز السردية الاقتصادية لترامب على أن العجوزات التجارية الأمريكية المتزايدة ناتجة عن ممارسات غير عادلة من الخارج، مما أثر سلبًا على الصناعة والوظائف المحلية
بينما بدت موجة الرسوم الجمركية وتراجع الدولار في ربيع العام الماضي وكأنها تسير وفق الخطة، إلا أن حزمة سياسات ترامب الأوسع، من التحفيز المالي إلى ركوب موجة الذكاء الاصطناعي، أعادت إشعال النمو ورفعت أسهم «وول ستريت»، مما يطرح السؤال الجوهري حول إمكانية الجمع بين هذه السياسات دون تناقض، أو ما إذا كان ضعف الدولار يتوقف تلقائيًا مع انتعاش الاقتصاد والأسهم
* محرر أسواق المال في «رويترز»