بدأ المستثمرون يشعرون بالقلق من استمرار الصراع في الشرق الأوسط، مما دفعهم إلى اتخاذ خطوات سريعة لحماية محافظهم من آثار محتملة لصدمات نفطية طويلة الأمد، حيث يتجهون نحو السيولة وأسهم الطاقة بينما يقلصون استثماراتهم في السندات وقطاعات التكنولوجيا والتعدين، مما يعكس تحركات سوقية تسعى إلى تأمين نفسها ضد تغييرات جذرية في أسواق الطاقة والتجارة، وفقاً لوكالة رويترز.

تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يوم الجمعة بنسبة 1.5 في المائة، حيث قادت شركات التكنولوجيا الكبرى خسائر السوق، بينما هبطت العقود الآجلة للمؤشر بنسبة 0.6 في المائة إضافية في آسيا، وانخفض مؤشر نيكي الياباني القياسي بنسبة 3.5 في المائة، في وقت شهدت فيه الأسواق الصينية أقوى خسائر لها منذ فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على الأسواق العام الماضي.

رجل يقف أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

كان البيع أكثر حدة في السندات، حيث تزايد القلق بشأن الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز من قبل إيران، مع توقعات بتداعيات اقتصادية طويلة الأمد حتى في حال حدوث اختراق نادر، وعلق آرون كوستيلو، رئيس قسم آسيا في شركة كامبريدج أسوشيتس، قائلاً إن الأسواق كانت مرنة حتى وقت قريب، ولكنها شهدت تراجعاً حاداً يوم الجمعة، مما يعكس تصاعد الأزمة.

وأوضح أن الشركات والدول تمتلك احتياطيات ومخزونات، ولكنها ستنفد في النهاية ما لم ينتهِ النزاع، مما دفع الأسواق إلى تسعير المخاطر المتزايدة، وانخفض مؤشر إم إس سي آي العالمي للأسهم يوم الاثنين إلى أدنى مستوى له منذ 4 أشهر بعد أن اخترق الدعم عند المتوسط المتحرك لمائتي يوم يوم الجمعة.

قالت كارين جوريتمسا، رئيسة قسم الأسهم الأسترالية في آر بي سي كابيتال ماركتس، إن هناك نقصاً هائلاً في الثقة بشأن تقييم السوق خلال هذه المرحلة، وما نشهده الآن هو خروج سريع من السوق، حيث تزداد أرصدة السيولة، مما يعكس تخفيفاً واسعاً للمراكز عبر الأسواق في آسيا والولايات المتحدة.

رجل يملأ سيارته بالديزل بسعر قياسي فوق 3 دولارات أسترالية في ملبورن (أ.ف.ب)

الأوضاع ستزداد سوءاً

بدأ الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة، واحتمالات مزيد من التدمير، في إقناع المستثمرين بأن أي تحول في سياسة ترمب أو خفض أسعار الفائدة لن يعكس الآثار الاقتصادية للحرب، وأشار رئيس قطر للطاقة الأسبوع الماضي إلى أن نحو خُمس قدرة تصدير الغاز الطبيعي المسال لقطر تعطلت بسبب الهجمات الإيرانية، مما يعني أن العقود طويلة الأمد ستتعرض للاضطراب لسنوات، في وقت تراجعت فيه حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز بشكل حاد.

ارتفعت أسعار تذاكر الطيران وأسعار البنزين، واتخذت الشركات خطوات استجابة لذلك، مثلما فعلت شركة يونايتد إيرلاينز التي أعلنت استعدادها لأسعار نفط عند مائة دولار للبرميل حتى نهاية 2027، مع تخفيض السعة بنسبة 5 في المائة، وفي آسيا، حيث تعتمد الاقتصادات بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، تتحول الأموال بين القطاعات في أسواق الأسهم، وأحياناً تخرج بالكامل من السوق، حيث أظهرت بيانات هذا الشهر بيعاً صافياً للأسهم بقيمة 44.36 مليار دولار في المنطقة، وهو أكبر تدفق شهري للخارج منذ عام 2008 على الأقل.

قال فرنسيس تان، كبير استراتيجيي آسيا في إندوسيوز ويلث مانجمنت، إن هذا التصعيد يجعل المستثمرين يدركون أننا لم نصل بعد إلى نهاية هذا النزاع، بل إن الأمور تبدو أنها ستزداد سوءاً، مضيفاً أن العملاء يتخذون موقفاً دفاعياً أكثر، ويؤمِّنون بعض الأرباح التي حققوها خلال العام الماضي.

السيولة هي الملاذ الوحيد

تتقلص الملاذات المتاحة، حيث تدفع المخاطر التضخمية بأسعار السندات للانخفاض، بينما يتراجع الذهب، الملاذ التقليدي، مع قيام المستثمرين بتحقيق أرباح من ارتفاعه الأخير، وتعرضت أسهم تعدين الذهب في أستراليا لضربة قوية يوم الاثنين، مع ارتفاع تكاليف نقل الديزل إلى مواقع المناجم النائية.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ومع ذلك، لم يُظهر المستثمرون طويلو الأجل الذين تعتمد عوائدهم على أفق زمني ممتد لسنوات، أي ذعر، ولم يقوموا بإجراء تغييرات جذرية على محافظهم الاستثمارية، حيث قالت لوري هاينيل، الرئيسة العالمية للاستثمار في شركة ستيت ستريت إنفستمنت منجمنت، إننا لم نرَ تدفقات ضخمة خارج الأسهم، ولكن كلما طال النزاع زادت هشاشة آسيا بسبب اعتمادها على الطاقة وارتفاع محتمل في الأسعار.

شهد قطاع الطاقة، بما في ذلك النفط والغاز والطاقة المتجددة، شراءً كبيراً، كما ارتفعت العملة الأميركية، بناءً على اعتقاد بأن الأسهم الأميركية قد تكون الأفضل لتحمل الصدمة، حيث رفعت شركة لومبارد أوديي تقييمها لأسهم الولايات المتحدة إلى محايد، رغم أن هذه السوق بدأت هي أيضاً في التذبذب، وأشار جيسون تشان، وهو استراتيجي في بنك شرق آسيا، إلى أن جميع الأصول تتراجع، مما يجعل السيولة هي الملاذ الوحيد في المدى القصير.