المستثمرون الأفراد الأمريكيون هم أكبر قوة استثمارية في سندات الخزانة الأمريكية .. ماذا لو تخارجوا؟
لم تعد التعاملات التي تفترض انخفاض قيمة العملة مجرد صداع سيزول من تلقاء نفسه.
الخلاصة.
تشهد البنوك المركزية العالمية تفضيلاً متزايداً للذهب على سندات الخزانة الأمريكية وهو ما يثير قلق وزارة الخزانة الأمريكية بعد الحرب الروسية – الأوكرانية حيث دفع انهيار نموذج الاستثمار 60/40 المستثمرين للبحث عن بدائل تشمل المعادن النفيسة كما أن ارتفاع الديون قصيرة الأجل يزيد من تقلبات تكلفة الاقتراض الأمريكية مما يضع الوزارة في موقف صعب.
يرى البعض في وول ستريت أن عالم الاستثمار يتجه نحو معيار الذهب بحكم الأمر الواقع ويكفي النظر إلى الاحتياطيات الرسمية الأجنبية حيث إن مسلسل الارتفاع الذي لا ينقطع زخمه يعني أن البنوك المركزية العالمية لديها استثمارات في المعدن النفيس تفوق استثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية وفق الأسعار السائدة.
من الصين إلى الهند إلى بولندا تجني الحكومات التي دأبت على شراء الذهب منذ التدخل الروسي في أوكرانيا 2022 أرباحاً طائلةً.
هذه الملاحظة وحدها كفيلة بإثارة قلق وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت فعلى هذا الرجل الذي يُلقب نفسه بأفضل بائع سندات في الولايات المتحدة أن يعاود القلق بشأن استقطاب المستثمرين رغم أن وزارته نظرياً تواجه ضغوطاً تمويلية أقل هذا العام.
التعاملات التي تفترض انخفاض قيمة العملات ويتخلص بموجبها المستثمرون من الديون السيادية الكبرى وعملاتها خوفاً من انخفاض قيمتها تشهد انتعاشاً متجدداً.
في الأسبوع الماضي أثارت اضطرابات سوق السندات اليابانية وتداعياتها على سندات الخزانة الأمريكية تكهناتٍ بتدخلٍ منسقٍ في سوق العملات وهو أمرٌ نادرٌ منذ أواخر التسعينيات.
هل تسلح أوروبا الدين الأمريكي؟
عادت استراتيجية ما بعد يوم التحرير في أبريل الماضي بقوة حيث تراجع الدولار مجدداً مع تهديد أوروبا باستخدام ديونها الأمريكية كسلاحٍ في قضية جرينلاند في الوقت نفسه ارتفعت أسعار المعادن الصناعية من الفضة إلى النحاس جنباً إلى جنب مع الذهب.
صحيحٌ أن الأسواق تشهد تقلباتٍ سريعةً خلال حقبة “لنعد لأمريكا عظمتها” وتتأرجح بين رواياتٍ متضاربة لكن تتزايد الأدلة على أن استراتيجية خفض قيمة العملة تترسخ كفلسفة استثمارية طويلة الأجل.
مع بداية عام 2026 كانت مكاتب إدارة الثروات العائلية والمستثمرون الأفراد يبحثون بالفعل عن طرقٍ أكثر ابتكاراً للتحوط من استثماراتهم في الأسهم وقد فشل نموذج المحفظة الكلاسيكي 60/40 حيث تعمل السندات كحمايةٍ من عمليات بيع الأسهم في تحقيق النتائج المرجوة خلال فترة الركود الاقتصادي التي أعقبت جائحة كوفيد-19 في عام 2022 مع وصول الأسهم العالمية إلى مستويات قياسية تزداد الحاجة إلى التحوط من الصدمات المفاجئة.
عزز انهيار سوق السندات الأسبوع الماضي الرأي القائل إن استراتيجية 60/40 قد انهارت لم يكن هناك إقبال على الملاذات الآمنة لم ترتفع سندات الخزانة ما حرم الأسهم من وسادة صدماتها التقليدية.
لذا يقترح الاستراتيجيون محافظ استثمارية بديلة يدعو نموذج 60/20/20 المستثمرين إلى بيع نصف استثماراتهم في أدوات الدخل الثابت واستثمار 20% في المعادن النفيسة وعلى رأسها الذهب قد يفسر هذا جزئياً سبب بقاء سعر الذهب فوق 5 آلاف دولار للأونصة هذا الأسبوع.
إذا تبنى مزيد من الأفراد الأثرياء هذا التوجه فسيكون ذلك بمنزلة كارثة لوزارة الخزانة الأمريكية حتى مارس 2025 وهو آخر شهر تتوافر عنه بيانات تفصيلية بلغت قيمة ديون صناديق الاستثمار المشتركة المحلية وحدها 4.4 تريليون دولار أي أضعاف قيمة ديون اليابان البالغة 1.1 تريليون دولار أو ديون الصين البالغة 765 مليار دولار.
بمعنى آخر فإن قيام طوكيو بتحويل أموالها الخارجية أو استخدام بكين لأصولها كسلاح لا يُذكر إذا قررت الأسر الأمريكية الاستثمار في المعادن النفيسة.
يعني هذا بالنسبة لوزارة الخزانة الأمريكية أن نسبة أكبر من اقتراضاتها ستكون على شكل أذون الخزانة وهي ديون تستحق خلال عام أو أقل ويُتوقع أن يكون الطلب قوياً إذ بدأ الاحتياطي الفيدرالي يشتري مجدداً وقد تستمر التدفقات النقدية من صناديق سوق المال إذ يميل أنصار نموذج 60/20/20 إلى تفضيل الدخل الثابت قصير الأجل على سندات الخزانة.
لكن تكمن مشكلة وجود كثير من الديون قصيرة الأجل في أنها تجعل تكاليف الاقتراض أكثر تقلباً لهذا السبب تاريخياً خفضت وزارة الخزانة الأمريكية حصة أذون الخزانة خلال فترات الازدهار الاقتصادي لإتاحة المجال لزيادات كبيرة خلال فترات الركود لكن هذه المرونة قد ولّت في نهاية عام 2025 مثّلت هذه الأذون نحو 22% من إجمالي ديون الخزانة القابلة للتداول وهو مستوى أعلى بكثير من المستويات التي شهدناها في العقد الأول من الألفية الثانية.
قبل توليه منصب وزير الخزانة انتقد بيسنت علناً جانيت يلين التي كانت تتولى الوزارة قبله لإصدارها مزيداً من الديون قصيرة الأجل والآن ليس أمامه خيار سوى أن يحذو حذوها إذ ينتابه قلق دائم بشأن تكلفة الاقتراض الأمريكية لم تعد التعاملات التي تفترض انخفاض قيمة العملة مجرد صداع سيزول من تلقاء نفسه بل أصبح داءً مزمناً.
كاتب عمود في بلومبرغ @bopinion.
خاص بـ “بلومبرغ”.

