تاريخ مصر مليء بشخصيات بارزة لا تُعتبر مجرد أسماء عابرة في سجلات الوظائف، بل تترك بصمة واضحة في وجدان الأمة، ومن بين هؤلاء الشخصيات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يُعد رمزًا من رموز الفكر والتنوير والوسطية في العصر الحديث، حيث يتميز بمواقفه الثابتة في تعزيز قيم الاعتدال والحكمة في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية.

إن كلمات الإشادة بشخصية الإمام الطيب ليست مجرد تعبير عن المجاملة، بل تعكس موقفًا راسخًا ومعلنًا، إذ كانت مواقفي ومقالات عديدة قد أيدت الأزهر في أوقات كان فيها صوت الاعتدال بحاجة إلى دعم، كما وقفت بجانب الإمام الأكبر في مواجهة التحديات التي تواجه الأزهر في زمن تتداخل فيه السياسة بالأيديولوجيا.

ينتمي الإمام الطيب إلى مدرسة التنوير الأزهرية التي بدأت مع الشيخ حسن العطار ورفاعة رافع الطهطاوي، وقد حققت ذروتها مع الإمام محمد عبده، واستمرت في القرن العشرين مع شخصيات بارزة مثل الإمام عبد الحليم محمود، وهي مدرسة تؤمن بأن الدين هو نور للعقل وليس قيدًا عليه، وأن الإيمان الحقيقي يشجع على المعرفة ويدعو إلى فتح الأبواب أمامها، وفي هذا السياق، يُعتبر أحمد الطيب امتدادًا معاصرًا لهذه السلسلة من العلماء الأزهريين.

علاقتي بالإمام الأكبر كانت دائمًا قائمة على التقدير والاحترام، حيث استطاع أن يحافظ على مكانة الأزهر في أوقات كانت فيها المؤسسات تتعرض لضغوط شديدة، وقد أتيح لي الاقتراب منه في مناسبات عديدة، وكانت انطباعاتي دائمًا تشير إلى هدوءه وثقافته العميقة، مما يعكس عمق الأزهر وروح التصوف التي يتمتع بها.

في 19 مارس 2010، تولى الإمام الأكبر مشيخة الأزهر خلفًا للإمام الراحل محمد سيد طنطاوي، حيث كانت الأنظار تتجه إلى هذه المؤسسة الدينية البارزة، وترافق ذلك مع تساؤلات عديدة حول من سيكون قادرًا على قيادة الأزهر في زمن تتقاطع فيه السياسة مع الدين.

اختير الدكتور أحمد الطيب، ابن محافظة الأقصر، الذي درس العقيدة والفلسفة، وتدرج في مؤسسات الأزهر حتى أصبح مفتيًا للديار المصرية عام 2002، ثم رئيسًا لجامعة الأزهر، وأخيرًا الإمام الخمسين للأزهر الشريف، ولكن سيرة الإمام الطيب لا تقتصر على المناصب التي تولاها.

يمتاز الإمام الطيب بانتمائه إلى المدرسة الأشعرية في العقيدة والمذهب المالكي في الفقه، كما يرتبط وجدانه بالروح الصوفية التي تشكل أحد أعمدة التدين المصري، إذ ينتمي إلى الطريقة الخلواتية، مما يجعله يجمع بين الصرامة العلمية واللين الروحي، أي بين عقل الفقيه وقلب المتصوف.

على مدى ستة عشر عامًا في مشيخة الأزهر، واجه الإمام الأكبر العديد من المحطات التي تتطلب شجاعة العالم، حيث كان له صوت واضح في الدفاع عن الوسطية الإسلامية، مؤكدًا أن الإسلام هو دين الرحمة وليس أداة للصراع، وقد وقف في وجه موجات التطرف التي حاولت احتكار الدين، كما تصدى لمحاولات تسييس الدين، عندما سعت السياسة لاستخدامه كوقود لصراعاتها.

كان حضوره في وثيقة الأزهر لحظة مهمة في تاريخ الفكر السياسي المصري الحديث، حيث أكدت هذه الوثيقة مبادئ الدولة الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، وقد دعمت هذه المبادئ من خلال تأكيد أهمية ربط القيم الإسلامية بروح الدولة المدنية الحديثة.

تقدمت باقتراح للإمام الأكبر بأن يتولى شخصيًا رئاسة لجنة إعادة صياغة الدستور، إيمانًا مني بأن الأزهر يمكن أن يكون ميزان الحكمة في لحظات التحول الكبرى، رغم أن الاقتراح لم يُقبل، إلا أنه يعكس قناعتي بأن الإمام الطيب يمتلك الحكمة اللازمة لجمع الفرقاء بدلاً من تأجيج الخلافات.

على مدار سنوات مشيخته، برزت مواقف عديدة للإمام الطيب في القضايا العربية والإسلامية، حيث كان صوته حاضرًا في الدفاع عن قضايا الأمة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، ودعوة الحوار بين الأديان والحضارات، وفي وقت تزايدت فيه أصوات الصدام في العالم الإسلامي، اختار الأزهر في عهده طريق الحوار، مما أثمر عن وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها مع البابا فرنسيس، مما يعكس أن الدين يمكن أن يكون جسرًا للتواصل بين البشر.

بينما يختلف الكثيرون في السياسة، فإن القليلين فقط يختلفون حول قيمة الأزهر كمنارة علم واعتدال، وفي زمن تتراجع فيه مكانة المؤسسات، استطاع الإمام الأكبر أن يحافظ على هيبة الأزهر كصوت للعلم والاعتدال في العالم الإسلامي، لذا أرى في أحمد الطيب واحدًا من رموز الاعتدال والتنوير في مصر المعاصرة، حيث جمع بين عمق التراث ووعي العصر، وبين حكمة العالم وصفاء المتصوف.

تتباين الآراء حول التفاصيل السياسية، ولكن تبقى الحقيقة الأهم أن الأزهر في عهده ظل منارة للفكر الوسطي وصوتًا للعقل في زمن يتزايد فيه الضجيج، مد الله في عمر هذا الرجل، وحفظ به الأزهر الشريف، وجعل حكمته ميزانًا يقي الأمة من غلو المتطرفين وضيق المتعصبين.

لأن الأمم تحتاج أحيانًا إلى رجل هادئ يقف في قلب العاصفة ويذكر الجميع بأن الحكمة لا تصرخ، بل تبقى.

بتاريخ 8 مارس 2012، التقى الشيخ خليل محمد عامر الأمين العام للحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في مقره بالأزهر الشريف، ويُذكر أن هذه الزيارة لشيخ الأزهر نسق لها الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد، وأكد الدكتور أيمن لشيخ الأزهر أهمية دعم الشعب الإرتري من أجل تجاوز محنته الحالية على جميع الأصعدة.

https://gate.ahram.org.eg/News/181689.aspx

https://gate.ahram.org.eg/News/87666.aspx

https://gate.ahram.org.eg/News/105949.aspx