في محاضرته التي أقيمت ضمن فعاليات الندوة التعريفية بالقضية الفلسطينية بعنوان دور المؤسسات الدينية المصرية في دعم القضية الفلسطينية، قدم الدكتور محمد علي عبد الحفيظ، أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر والوكيل الأسبق لكلية الدراسات العليا، عرضًا تاريخيًّا يسلط الضوء على دور الأزهر والمؤسسات المصرية في الدفاع عن فلسطين، حيث أشار إلى أن هذا الدور بدأ منذ وعد بلفور عام 1917 عندما تعامل الأزهر مع القضية بوصفها قضية المسلمين والعرب الأولى، مما أدى إلى ثبات موقفه الرافض لأي مساومة تتعلق بالقدس وحقوق الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى دعمه للاجئين الفلسطينيين وكشفه للمزاعم الصهيونية عبر خطاب علمي ودعوي منظم.

وتطرق عبد الحفيظ إلى ثورة البراق عام 1929، موضحًا أن الاستفزازات التي وقعت قرب حائط البراق وما رافقها من اعتداءات لفظية ودينية أدت إلى إشعال غضب المسلمين وصدام واسع، حيث اتخذ الأزهر موقفًا واضحًا من خلال مراسلة شيخ الأزهر للمندوب البريطاني للتنديد بما حدث، كما أصدر الأزهر فتوى تحرم بيع الأراضي لليهود، مما يعكس شعورًا بالمسؤولية الدينية والوطنية، وفي هذا السياق قام بتفنيد المزاعم المتعلقة ببيع الفلسطينيين لأراضيهم، مبينًا أن ما بيعت كان نسبة محدودة تعود لعائلات استثمارية غير فلسطينية، وأن المجتمع الفلسطيني كان يرفض التفريط في الأرض بشكل قاطع، مشيرًا إلى الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 التي اندلعت احتجاجًا على السياسات البريطانية الداعمة للهجرة الصهيونية، حيث بادر الشيخ المراغي بمخاطبة المندوب السامي البريطاني للتنديد بالممارسات المؤيدة للصهيونية، وشارك مع مصطفى النحاس باشا في حملات التبرع لأهل فلسطين، ثم عقدت هيئة كبار العلماء عام 1938 اجتماعات دعت فيها القادة العرب لتحمل مسؤولياتهم تجاه تلك القضية، واستمر نشاط الأزهر مع تصاعد الأحداث حيث شهدت مصر مظاهرات حاشدة قادها علماء الأزهر رفضًا لقرار تقسيم فلسطين ودعوات للجهاد بالنفس والمال مع تشكيل لجان لجمع التبرعات وتدريب المتطوعين، وعندما اندلعت حرب 1948 شارك طلاب الأزهر في كتائب للجهاد مما يؤكد أن الدور الأزهري لم يقتصر على البيانات بل امتد إلى الفعل الميداني، كما صدرت فتاوى تؤكد حرمة التفريط في الأرض ووجوب الدفاع عنها، ومن بينها فتوى الشيخ حسنين مخلوف بوجوب الجهاد.

وانتقل عبد الحفيظ إلى المواقف المعاصرة، مشيرًا إلى جهود الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في ترسيخ الوعي التاريخي بقضية القدس، ومنها وثائق علمية أكدت عمق الوجود العربي في فلسطين منذ آلاف السنين، كما تناول بيانات هيئة كبار العلماء الرافضة لمحاولات تقويض المسجد الأقصى عبر الحفريات، مؤكدًا أن الأزهر كثف نشاطه التوعوي من خلال المؤتمرات والإصدارات والمواد الإعلامية والدورات التدريبية والقوافل الداعمة لغزة، إضافة إلى رعاية طلاب الأزهر هناك باعتبار ذلك مسؤولية دينية وتاريخية، كما أبرز دور وزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية في دعم القضية عبر الخطب والبيانات والندوات والإصدارات التي تعزز صمود الشعب الفلسطيني وتؤكد حقوقه الشرعية، مشيرًا إلى البيانات الرسمية التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية وفضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية التي شددت على ثبات حق الفلسطينيين في أرضهم وضرورة حمايته وعدم سقوطه بالتقادم، مما يعكس موقفًا مؤسسيًّا واعيًا يعمل على تعبئة الرأي العام وترسيخ عدالة القضية.