الجامع الأزهر قديما.

يعتبر الجامع الأزهر من المعالم التاريخية والدينية البارزة في مصر، حيث يمتد تاريخه لأكثر من ألف عام ويشكل جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والدينية للمصريين، وقد أوضح أستاذ التاريخ والحضارة، الدكتور عمرو منير، خلال حديثه عن صلاة التراويح في الأزهر، أن هذه الصلاة ليست مجرد أداء شعائري، بل تحمل في طياتها قصة طويلة ترتبط بعمق العلاقة بين المصريين والقرآن، حيث يُعتبر الأزهر مكانًا يتجلى فيه الاحترام للكلمة وللوقت، مما يضفي عليه طابعًا خاصًا خلال شهر رمضان المبارك.

اختلاف التراويح في الأزهر عن باقي المساجد

أضاف الدكتور عمرو منير، خلال حلقة برنامج “رمضان حكاية مصرية” على قناة الناس، أن الأزهر في العصور المملوكية أصبح بمثابة مدرسة حقيقية للتلاوة، حيث لم يكن أي شخص قادرًا على القراءة، بل كان هناك قارئون معروفون يتمايزون بأصواتهم وأدائهم، مما ساهم في تنوع القراءات، حيث اعتاد المصريون على سماع القرآن بأكثر من وجه، ولم يكونوا مقيدين برواية واحدة، وهذا التنوع كان جزءًا من الفهم والمتعة، ومع العصر العثماني، زادت أهمية الوقار في التلاوة، وأصبحت التراويح أكثر هدوءًا، مما ساهم في تعميق القراءة والالتزام بالتجويد، مع التأكيد على أن الأزهر كان يحافظ على مفهوم التراويح كعبادة وليس كعرض أو استعراض للمهارات الصوتية.

كما أشار إلى أن هذه البيئة أثمرت عن أصوات مميزة مثل عبد الفتاح الشعشاعي الذي كان صوته يحمل جلالاً خاصًا، ومحمود علي البنا الذي كانت تلاوته قريبة من القلب، مشددًا على أن دولة التلاوة المصرية تشكلت في أحضان الأزهر، حيث خرجت أسماء بارزة مثل محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوي، الذين كانوا يقرؤون بهدف التقرب إلى الله وليس لإبهار الجمهور.

وأوضح الدكتور عمرو منير أنه مع دخول القرن العشرين، ورغم تقدم وسائل الإعلام، حافظ الأزهر على تقاليده، حيث لم ينجرف وراء السرعة أو الضجيج، وظلت التراويح فيه قراءة للتدبر وليس سباقًا للإنهاء، وعندما تم إدخال قراءات غير رواية حفص في السنوات الأخيرة، كان ذلك بمثابة العودة لجذور قديمة، حيث يتم التأكيد على أن القرآن أوسع من وجه واحد وأن السماع جزء من الفهم، مما يجعل من يحضر التراويح في الأزهر يشعر وكأنه في زمن مختلف، حيث يسود الهدوء ويُتاح المجال للتفكر والتقرب.

وأكد الدكتور عمرو منير أن سر اختلاف التراويح في الأزهر لا يكمن في عدد الركعات أو سرعة الختمة، بل في الفكرة ذاتها، وهي أن القرآن يحتاج إلى وقت واحترام وقلب خاشع، وأن رمضان في الأزهر ليس مجرد مناسبة تتكرر، بل هو ذاكرة حية، حيث تعتبر التراويح درسًا في السماع وهدوء النفس، مما يجعلها حكاية مصرية ممتدة عبر القرون.