قال الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، إن الأزهر الشريف، الذي يُعَدُّ من أعرق المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، لطالما كان رمزًا حضاريًا يهدف إلى معالجة التطرف ونشر قيم الاعتدال والدعوة للسلام، حيث أسهمت جهود الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في استعادة مكانة الوسطية، وجعلت من كلماته جسورًا للتفاهم ومواقفه حصنًا ضد الغلو والتطرف.
أضاف الجندي، في كلمته خلال فعاليات اليوم الثالث للمؤتمر المئوي لجمعية العلماء بعموم (كيرالا) في الهند، أن الأزهر قد شهد حراكًا متميزًا في مجال الدعوة والتوعية، حيث تم تكثيف الأنشطة من قبل مجمع البحوث الإسلامية استعدادًا لشهر رمضان المبارك، الذي يُعتبر موسمًا إيمانيًا يُغرس فيه قيم التسامح، مما يعكس ما يُمكن تسميته بـ “الفترة الذهبية” في تاريخ نشاطه الميداني.
كما أوضح أمين البحوث الإسلامية أن الأزهر قد وسع نشاطه الدعوي والتوعوي داخليًا وخارجيًا من خلال سلسلة من القوافل التي لم تقتصر على الوعظ الديني فحسب، بل شملت أيضًا السلم المجتمعي والاستقرار الأسري، حيث انطلق هذا الحراك من ساحة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، التي احتضنت القوافل الدعوية بفيض من الدعم، مرورًا بالمتابعة الحثيثة من وكيل الأزهر الشريف، الذي أولى اهتمامًا خاصًا بقوافل المحافظات الحدودية والساحلية لضمان وصول رسالة الأزهر الوسطية إلى كل بقاع أرض مصر.
وأكد أمين البحوث الإسلامية أن محبة النبي ﷺ والتمسك بمقاصد الدين يشكلان صمام أمان للشباب، مما يحميهم من الانحرافات الفكرية والسلوكية، ويغرس فيهم القيم التي تمكنهم من التمييز بين الحق والباطل، والوسطية والتطرف، كما أن الأزهر يمثل امتدادًا آمنًا لوعي محصن يربط بين العراقة والتجديد، وبين المحلية في الانتماء والعالمية في الرسالة، ليبقى منارة للعلم والحضارة وحصنًا للمجتمع من الغلو والانحراف.
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن التعليم الأزهري يمتد ليشمل الطلاب الوافدين من جميع أنحاء العالم، حيث يمنحهم الرعاية التعليمية والمعيشية الكاملة، ويغرس فيهم قيم الاعتدال والفهم الصحيح للدين، من خلال المناهج المتوازنة، والأبحاث العلمية، والبرامج التدريبية المتخصصة، حيث يعمل الأزهر على مواجهة الفكر المتطرف عبر منصاته الإعلامية والدبلوماسية لنشر الفكر الوسطي داخل مصر وخارجها، وضمان استمرار رسالة الوسطية على مستوى العالم.
وأشار فضيلته إلى أن جهود الأزهر في نشر الاعتدال تمتد عبر التاريخ، فقد استقبلت أروقته منذ ثلاثينيات القرن العشرين وفودًا رسمية من بعض الدول للدراسة، ومن بينهم طلبة من الصين، ومن بينهم: العالم المرحوم محمد مكين ما جيان، والعلامة المؤرخ عبد الرحمن نا تشونغ، اللذان أسهما في تعليم اللغة العربية في الصين، وتعزيز العلاقات الصينية- العربية، بالإضافة إلى طلاب من شتى بقاع الأرض، مما يؤكد أن الأزهر منذ القِدم كان ولا يزال منارة علمية عالمية
وأكد الدكتور محمد الجندي أن خريجي الأزهر، ممن تلقوا علومه المعتدلة، أصبحوا سفراء للوسطية في بلادهم، حيث امتدت فروع العلم الأزهري إلى كل أنحاء المعمورة، من أفريقيا وآسيا إلى أوروبا والأمريكيتين، حاملين رسالة الإسلام المعتدل، مزودين بالعلم الصحيح، ورافعين راية الاعتدال والوسطية بعيدًا عن الغلو والتطرف.
ولفت إلى أن الأزهر عمل على بناء منظومة متكاملة لمواجهة التطرف، من خلال هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، ومرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وهي مؤسسات علمية وبحثية تصدر تقارير متعددة اللغات، وتفنّد مزاعم الجماعات المتطرفة، وترد على الشبهات، وتوضح الحقائق الدينية والفكرية، بما يضمن نشر الفكر الوسطي في العالم أجمع.
كما أشار الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية إلى أن الأزهر يرسل مبعوثيه إلى دول العالم للتوعية الدينية الصحيحة، ويقدم التدريب للأئمة لتوضيح المفاهيم المغلوطة، ويزود المعاهد الإسلامية بالمناهج الأزهريّة لضمان تنشئة جيل واعٍ معتدل.
وتابع الدكتور الجندي أن الأزهر الشريف يمثل الامتداد الآمن لوعي محصن يذكّرنا بأهمية حفظ ديننا وأخلاقنا وعقولنا، وما أحوجنا اليوم إلى حفظ قيمنا من الانجراف وراء التحديات الفكرية والسلوكية، من الاستقطاب إلى التطرف أو الإلحاد، ومن الانحرافات السلوكية؛ كالخطر المتعلق بالمخدرات أو الشهوات غير الضابطة.
وأردف فضيلته أن الأزهر يعلمنا أن مقاصد الدين هي الجذور الراسخة التي تربط الإنسان بوجوده في هذه الحياة، وأن العبادة هي منظومة قيم وأخلاق تحفظ الفرد والمجتمع، وتبني حضارة قائمة على العدالة والمعرفة والوعي.
وأكد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن الأزهر الشريف يربط بين العراقة والتجديد، ويجمع بين المحلية في الانتماء والعالمية في الرسالة، ليظل منارة للعلم والحضارة، ويصون المجتمعات من الغلو والانحراف الفكري، ويرسخ قيم السلم والتعايش بين الشعوب، ويجعل الوسطية مقياسًا للوعي والفكر السليم.
وختم الدكتور الجندي كلمته بتأكيد أهمية استمرار الأزهر الشريف في نشر منهج الوسطية حول العالم، عبر دعم الانتشار الرقمي لخطابه باللغات المختلفة، وتعميق التعاون مع المؤسسات العالمية لتبادل الخبرات والمعرفة، وتعزيز دور خريجي الأزهر ليكونوا سفراء للوسطية في مجتمعاتهم، مع التركيز على تكوين روابط فكرية دولية متماسكة، ورفع كفاءة التدريب على مواجهة الشبهات الحديثة والإعلامية التي يستغلها المتطرفون؛ بما يضمن استمرار رسالة الاعتدال وتعزيز قيم السلام والتعايش بين الشعوب.

