يستمر الأزهر الشريف في تعزيز جهوده التوعوية من خلال حملته الفكرية المعروفة باسم «وعي»، حيث تناول الدكتور محمد عبودة، عضو هيئة التدريس بكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، مسألة تتعلق بشبهة يثيرها البعض حول تفسير الإمام الشافعي لمعنى “الصراط المستقيم”، حيث يُزعم أنه اختزله في كونه الجسر الذي يُضرب على جهنم يوم القيامة، وهو ما يُعتبر تحريفًا لمعاني القرآن الكريم.
أوضح الدكتور عبودة أن أي نظرة منصفة لهذه الشبهة تكشف ضعفها، مشددًا على أن فكرة وجود صراط يُنصب على ظهر جهنم ليست اجتهادًا من الإمام الشافعي، بل هي عقيدة راسخة وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وعُرفت لدى الصحابة والتابعين قبل ميلاد الإمام الشافعي بقرون.
وأشار الدكتور عبودة إلى أن الإمام الشافعي، الذي توفي سنة 204 هـ، لم يكن مصدر هذا المفهوم، بل سبقه إليه التراث الإسلامي المبكر، مما يُسقط الادعاء بأنه صاحب هذا التفسير أو المسؤول عن ترسيخه.
وبيّن الدكتور عبودة أن إثبات وجود صراط في الآخرة لا يعني إلغاء معنى الصراط المستقيم في الدنيا، موضحًا أن النصوص الشرعية تُظهر بوضوح أن للصراط معنيين متكاملين لا تعارض بينهما؛ الأول هو صراط الدنيا، وهو طريق الهداية والاستقامة المبني على الوحي والقرآن، والثاني هو صراط الآخرة، وهو الجسر الذي يُضرب على جهنم لعبور الخلق.
أضاف عضو مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن البحث في كتب الإمام الشافعي المتداولة لم يُظهر أي نص يُثبت أنه حصر معنى الصراط في كونه الجسر الأخروي فقط، بل على العكس، جاءت نصوصه مؤكدة على المعنى العام للصراط باعتباره طريق الدين والهداية.
كما فنّد الدكتور عبودة شبهة أخرى تتعلق بادعاء أن الإمام الشافعي ألغى المحرمات الواردة في سورة الأنعام، مؤكدًا أن هذا الزعم لا أساس له من الصحة، إذ إن كتب الفقه الشافعي مليئة بالنصوص التي تُثبت تحريم هذه الأمور بشكل صريح وقاطع.
أكد عضو هيئة التدريس بكلية الدعوة الإسلامية أن ما يُنسب إلى الإمام الشافعي في هذه القضايا لا يعدو كونه دعاوى مرسلة بلا سند علمي، مشيرًا إلى أن الرجوع إلى مؤلفاته يُظهر بوضوح التزامه التام بثوابت الشريعة ونصوصها.
تأتي حملة «وعي»، التي يشرف عليها نخبة من علماء وباحثي الأزهر الشريف، في إطار جهود الأزهر المستمرة لتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتحصين الشباب من الشبهات الفكرية، من خلال تقديم خطاب علمي رصين يجمع بين الدليل الشرعي والتحليل العقلي.

