يحيي اليوم العاشر من مارس الذكرى السادسة عشرة لرحيل الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، الذي توفي في مثل هذا اليوم من عام 2010، حيث يمثل هذا اليوم مناسبة للتأمل في مسيرة شخصية بارزة تركت بصمة واضحة في تاريخ الأزهر الشريف، إذ قاد هذه المؤسسة التعليمية لأكثر من أربعة عشر عاماً، محولاً كرسي المشيخة إلى محور اهتمام ليس فقط بفضل علمه الغزير وتفسيراته القرآنية، بل أيضاً لكونه شخصية محورية واجهت تحديات السياسة بآراء كانت محط جدل وتحليل مستمر.
لا تزال إرث الشيخ طنطاوي يثير نقاشات واسعة بعد مرور سنوات على وفاته، إذ تتباين الآراء حول تقييم مسيرته، حيث يعتبره البعض رائداً في الفكر التجديدي ومناصراً لحقوق المرأة، بينما يتعرض لانتقادات حادة بسبب مواقفه السياسية التي اعتبرت في كثير من الأحيان منحازة للسلطة، مما يجعل ذكرى وفاته فرصة لإعادة النظر في هذه الشخصية المركبة التي حاولت الموازنة بين متطلبات المؤسسة الدينية الرسمية والتحديات السياسية المتسارعة، تاركاً خلفه سجلاً من المواقف والآراء التي لا تزال تحتفظ بحضورها في الذاكرة الجماعية المصرية.
من سوهاج إلى مشيخة الأزهر.. رحلة الصعود.
ولد الشيخ محمد سيد طنطاوي عام 1928 في قرية سليم الشرقية بمحافظة سوهاج، حيث نشأ في بيئة ريفية صقلت روحه بالقرآن، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية لحفظ القرآن وتلقي تعليمه، وتدرج في المناصب الأكاديمية والشرعية من إمام وخطيب بوزارة الأوقاف إلى أستاذ ورئيس قسم التفسير في الجامعات السعودية، وصولاً إلى منصب “مفتي الديار المصرية” عام 1986، ثم تم تعيينه شيخاً للأزهر في مارس 1996.
نصير المرأة.. الوجه الإصلاحي.
يعتبر الإرث الأكثر بروزاً للشيخ طنطاوي هو مواقفه تجاه قضايا المرأة، حيث عُرف كـ “نصير للمرأة” في مجتمع محافظ، وقد أصدر فتاوى جريئة كانت بمثابة تحدٍ للتيارات المتشددة، إذ كان أول من أجاز للمرأة شرعاً تولي رئاسة الدولة، وأكد حقها في الترشح والانتخاب وولاية القضاء، مشدداً على عدم وجود نص يمنع المرأة من ولاية القضاء، كما شملت مواقفه تجريم ختان الإناث، مشيراً إلى عدم وجود أصل له في القرآن أو السنة، ودعم قانون محكمة الأسرة الجديد، مما جعله هدفاً دائماً لهجوم التيارات المتشددة التي اعتبرت طروحاته خروجاً عن المألوف.
الإمام في مهب العواصف السياسية.
على الرغم من مسيرته العلمية الرصينة، اتسمت فترة ولاية طنطاوي للأزهر بصدامات متكررة مع الرأي العام والقوى السياسية، حيث اتهمه معارضوه بالانحياز لمواقف الدولة الرسمية، مما أدى إلى وصفه بأنه “ارتدى قبعة الأمن وخلع ثياب المشيخة”.
أبرز المحطات التي وضعت طنطاوي في “عين العاصفة”.
تكررت الانتقادات لمصافحته الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في محافل دولية، حيث فسره البعض كنهج دبلوماسي بينما اعتبره آخرون خروجاً عن الثوابت الوطنية، كما أثارت واقعة إجباره طالبة أزهرية على خلع النقاب ضجة واسعة وصلت إلى البرلمان، حيث طالب نواب بإقالته، بينما اعتبره آخرون انتصاراً للاجتهاد الشرعي، وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين أو بعض الكتاب الإسلاميين لم تكن جيدة، حيث انتقدوه في مواقف مثل فتوى “جلد الصحفيين” عقب نشر أخبار حول صحة الرئيس مبارك، وأيضاً إقالة مسؤولين بلجنة الفتوى الذين رفضوا التعامل مع مجلس الحكم الانتقالي في العراق، كما أثار تصريحه بدعم “الحق السيادي” لفرنسا في حظر الحجاب بمدارسها استنكاراً واسعاً، حيث اعتبره المنتقدون تهاوناً في قضية تمس المسلمين في الغرب، بينما اعتبره المؤيدون واقعياً.
التفسير والمؤلفات.. الإرث الباقي.
بعيداً عن الجدل السياسي، ترك الشيخ طنطاوي مكتبة علمية غنية تشهد له بالاجتهاد، ويظل “التفسير الوسيط للقرآن الكريم” في 15 مجلداً أهم مؤلفاته، إلى جانب كتب أخرى مثل “بنو إسرائيل في القرآن والسنة”، “أدب الحوار في الإسلام”، و”معاملات البنوك وأحكامها الشرعية”، التي تعكس مدرسة تفسيرية تميل إلى التبسيط والوضوح.
الوداع الأخير.
في صباح العاشر من مارس عام 2010، رحل الإمام الأكبر عن عمر ناهز 81 عاماً إثر نوبة قلبية مفاجئة في مطار الملك خالد بالرياض، حيث كان في زيارة للمملكة، ورغم التباين الشديد حول مواقفه السياسية، فقد شُيع إلى مثواه الأخير في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، تاركاً خلفه مسيرة حافلة جعلت منه شخصية لا تُنسى في تاريخ مصر المعاصر، إماماً جمع بين غزارة العلم وعواصف الميدان السياسي.

