مع حلول الذكرى الثانية عشر من رمضان، تستعيد الذاكرة الجماعية المصرية أحداثًا مؤلمة شهدتها البلاد في صيف عام 2015، حيث ارتبطت تلك الذكريات بحياة النائب العام هشام بركات وما رافقها من تطورات تاريخية، ويتصدر تلك الأحداث اسم “محمود الأحمدي”، الطالب الأزهري الذي انتقل من مقاعد الدراسة إلى عالم العمليات المسلحة، ليصبح رمزًا في قضايا أثارت جدلًا واسعًا في المجتمع المصري.

تجلى الاهتمام بمثل هذه الأحداث من خلال مسلسل “رأس الأفعى” الذي تم عرضه على شاشة “ON دراما”، حيث يسعى المسلسل لتسليط الضوء على تفاصيل القضية من خلال سرد تحول محمود الأحمدي من طالب يسعى لفهم اللغات إلى شخصية حركية تحمل وزرًا كبيرًا، حتى تلك اللحظة التي وقف فيها بملابس السجن ليعبر عن مأساته الشخصية، مما يتيح إعادة قراءة القصة كاملة، من حلم التعليم إلى كابوس العنف.

الجذور.. رصاصة “رابعة” ونقطة التحول

نشأ محمود عبد الرحمن علي وهدان في قرية “كفر السواقي” بمركز أبو كبير في محافظة الشرقية، حيث لم يكن متوقعًا لأحد أن هذا الشاب الهادئ سيغادر قاعات الدراسة إلى عالم العنف، فقد كان طالبًا في كلية اللغات والترجمة، يتعمق في دراسة اللغتين العبرية والتركية، إلا أن تأثير شقيقه “محمد” الذي تأثر بأفكار متشددة كان له دور كبير في تشكيل أفكاره، مما أوجد بيئة استقطابية أدت إلى انزلاق محمود تدريجيًا نحو نهج جماعة الإخوان المسلمين، حيث انتهى شقيقه أيضًا إلى عقوبة السجن المؤبد في القضية ذاتها.

أما اللحظة الفاصلة في حياة محمود فقد كانت في اعتصام “رابعة العدوية”، حيث لم يكن مجرد مشارك بل تعرض لإصابة في ظهره، مما أطلق شرارة التحول في حياته، إذ انتقل من التظاهر السلمي إلى العمل في “لجان الإرباك”، حيث استبدل كتب اللغات بكتيبات تصنيع العبوات، ليبدأ فصلًا جديدًا في حياته كأحد أخطر عناصر التنظيم الميداني.

رحلة “الصحراء” وغرف العتمة في غزة

في سبتمبر 2014، بدأ محمود الأحمدي رحلة محفوفة بالمخاطر، لم تكن بغرض السياحة بل كانت نحو التدريب النوعي، حيث اختار مسارًا وعرًا عبر الصحراء للوصول إلى قطاع غزة، ليجد نفسه في “بيت حانون” مع عناصر كتائب القسام، حيث خضع لتدريب مكثف استمر شهرًا ونصف، مما حول مهاراته من فك شفرات اللغات إلى تفكيك وتركيب الأسلحة.

بعد عودته إلى مصر، تحولت شقته إلى معمل سري لتصنيع المتفجرات، حيث نقل خبراته إلى خلايا أخرى، واستمر في العمل تحت إشراف مباشر من “أبو عمر”، الضابط في جهاز مخابرات حماس، مما حوله من طالب علم إلى مهندس للموت.

29 يونيو.. اللحظة التي توقف فيها الزمن

في صباح التاسع والعشرين من يونيو 2015، كان محمود الأحمدي، الذي اتخذ من “محمدي” اسمًا حركيًا له، يستعد لتنفيذ عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، حيث أعدت سيارة محملة بأكثر من خمسين كيلوغرامًا من المتفجرات، وبعد لحظات من الضغط على زر التفجير، تحولت السيارة إلى كرة من اللهب، مما أحدث زلزالًا في المنطقة وترك أثارًا عميقة على الشارع المصري.

السقوط.. حين كان يبحث عن أخيه

في 22 فبراير 2016، شهد محمود الأحمدي لحظة مأساوية، حيث توجه إلى “دار القضاء العالي” بحثًا عن شقيقه “محمد” الذي انقطعت أخباره، ليجد نفسه محاصرًا من قبل الأجهزة الأمنية، مما أدى إلى القبض عليه وانتهاء رحلته كأحد أبرز منفذي العمليات.

تتابعت الأحداث:

بعد القبض عليه، بدأت محاكمته سريعًا، حيث صدر حكم بالإعدام بحقه في يوليو 2017، وقد تم تأكيد الحكم في نوفمبر 2018، حيث لم يطلب محمود الرأفة بل واجه التهم بشجاعة، معبرًا عن ما اعتبره انتزاعًا قسريًا للاعترافات، مما جعل قضيته تظل محط جدل قانوني وحقوقي حول شرعية الأدلة.

وفي العشرين من فبراير 2019، تم تنفيذ حكم الإعدام، لتطوى بذلك صفحة من حياة شاب كان يحلم بفك طلاسم اللغات، لكنه انتهى به المطاف كرمز لمأساة وطنية تركت آثارًا عميقة في ذاكرة مصر الحديثة.