واصل الجامع الأزهر تنظيم ملتقاه الفكري «باب الريان»، حيث تناول اليوم الأربعاء موضوع التسامح والصفح الجميل كما ورد في القرآن الكريم، وقد استضاف الملتقى الأستاذ الدكتور أبو بكر يحيى عبد الصمد، وكيل كلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، والدكتور محمد فراج طه، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، فيما قام الشيخ محمد مصطفى أبو جبل، الباحث الشرعي بالجامع الأزهر، بتقديم وإدارة الملتقى.

في بداية الملتقى، أشار الأستاذ الدكتور أبو بكر يحيى عبد الصمد إلى أهمية خلق العفو والصفح في القرآن الكريم مستشهدًا بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، موضحًا أن هذه الآية ترتبط بحادثة الإفك التي تعود لسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حيث دعا الله تعالى إلى العفو والصفح مما أدى إلى عودة أبو بكر إلى الإنفاق على مسطح بن أُثاثة بعد أن حلف ألا ينفق عليه

كما أشار إلى أن شهر رمضان المبارك يمثل مدرسة إيمانية تُعلّم المسلم كظم الغيظ والتسامح، مستندًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل إني امرؤٌ صائم»، مؤكدًا أن العفو من صفات المتقين الذين مدحهم الله في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، موضحًا أن كظم الغيظ والعفو عن الناس يمثلان من أبرز سمات أهل التقوى، داعيًا إلى الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم

من جهته، أكد الدكتور محمد فراج طه أن العفو والصفح من الأخلاق العظيمة التي حث عليها الدين، وأن القرآن مليء بالآيات التي تشجع على هذا الخلق، ومنها قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، كما أشار إلى قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، وخطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾

وأوضح الدكتور فراج طه أن العفو في اللغة يعني الطمس والمحو، أما شرعًا فهو إسقاط العقوبة عن المذنب المستحق لها مع القدرة على معاقبته، مؤكدًا أن العفو والصفح والتسامح تعكس سمو النفس وقوة الإيمان، وأنها من صفات المؤمنين الصادقين.

كما أشار إلى أن العفو لا يُعتبر ضعفًا أو استسلامًا، بل هو دليل على القوة والشجاعة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»، مؤكدًا أن التحلي بهذا الخلق هو سبب لنيل عفو الله ومغفرته في الآخرة

في ختام الملتقى، استمع الضيفان إلى أسئلة الحضور حول عدد من القضايا المتعلقة بالصيام وأحوال العباد والعبادات، حيث أجابا عنها وفق المنهج الأزهري الوسطي، مما يعكس رسالة الأزهر الشريف العلمية والدعوية ودوره الديني والتوعوي في خدمة المجتمع.

يأتي الملتقى الفقهي «باب الريان» في إطار تعزيز الدور الدعوي والتوعوي الذي يقوم به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يسعى إلى تنظيم مجموعة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تهدف إلى تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال وخدمة المجتمع.