افتتح الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، فعاليات الأسبوع السابع عشر للدعوة الإسلامية الذي تنظمه اللجنة العليا لشئون الدعوة في جامعة الأقصر تحت عنوان “وعي يبني وأصالة تحفظ” برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقد شهدت الفعالية حضور الدكتور السعدي الغول، نائب رئيس جامعة الأقصر، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، والشيخ محمد ربيع، مدير منطقة الوعظ بالأقصر، إلى جانب مجموعة من العلماء والأساتذة والباحثين والطلاب.
وفي كلمته، أكد الدكتور محمد الجندي أن التعليم في الرؤية الإسلامية يُعتبر رسالة لبناء ونهضة وصناعة الإنسان الواعي، مشيرًا إلى أن أول ما نزل به الوحي على رسول الله ﷺ كان أمرًا بالقراءة مما يدل على أن العلم هو المدخل الأساسي لإصلاح الفرد والمجتمع، كما أوضح أن العلم في الإسلام لا يقتصر على مجال معين بل يشمل مختلف العلوم الشرعية واللغوية والطبيعية والإنسانية، مما يعكس وعي الحضارة الإسلامية بأهمية التكامل بين مجالات المعرفة في بناء العقول وصناعة الحضارات.
تناول الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية آثار التكوين المعرفي في شخصية الطالب الجامعي، مشيرًا إلى أن من أبرز هذه الآثار ترسيخ التعددية الفكرية، موضحًا أن المنهج الأزهري يقوم على دراسة الرأي والرأي الآخر وأدلة كل فريق، سواء في العلوم العقدية أو الفقهية، وهو النهج الذي أكده فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في دعوته الدائمة إلى بناء عقل منفتح يحترم الاختلاف ويحصن الشباب من التعصب والإقصاء، ويعزز ثقافة الحوار والفهم الرشيد.
وأشار إلى أن هذا المنهج التعددي كان أحد أسرار خلود الفكر الأزهري عبر القرون، حيث رفض النمط الأحادي المغلق وفتح آفاق العقل أمام تنوع الآراء والمدارس، مما يحصن الشباب من الوقوع في براثن التشدد أو الانجراف وراء الأفكار المتطرفة، كما بين أن العلوم الذوقية والأخلاقية لها أثر بالغ في السمو السلوكي للطالب الجامعي، لافتًا إلى أن العالم الحقيقي هو من يجمع بين قوة العلم وحسن الخلق، مستشهدًا بنماذج من علماء الأزهر الذين ضربوا أروع الأمثلة في الزهد والتواضع وخدمة المجتمع.
وشدد الدكتور محمد الجندي على أن قوة الأزهر الشريف هي قوة للمجتمع بأسره، وأن الفكر الأزهري المعتدل يمثل سدًا منيعًا في مواجهة دعاوى التكفير والعنف، لما يقوم عليه من منظومة معرفية متكاملة تجمع بين النص والعقل وتؤكد أن الخلاف الفكري لا يبرر الإقصاء ولا العنف، وأوضح أن الفكر المتشدد الذي تجاوز دائرة الفكر إلى دائرة التكفير والقتل لم يكن يومًا نتاجًا للمنهج الأزهري، مؤكدًا أن دعم التعليم الأزهري وتمكينه يسهم في تجفيف منابع التطرف وحماية المجتمعات من الانقسام والاضطراب.
واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية كلمته بتأكيد أن وظيفة العالم تمتد إلى الإرشاد والتقويم وخدمة المجتمع، مشددًا على أن العلاقة بين العلم والعمل علاقة عضوية لا تنفصم، وأن العالم الحقيقي هو من يعيش هموم مجتمعه ويسهم في إصلاحه.
من جانبه، قال الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، إن رسالة الإسلام منذ بعثة النبي ﷺ قامت في جوهرها على بناء الوعي الصحيح بالإنسان والحياة، مؤكدًا أن الوحي الإلهي جعل من التعليم والتزكية أساسًا لإخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان، وبناء إنسان مدرك لغاية وجوده، واعٍ بمسؤوليته في عمارة الكون، ومُرتبط بقيم دينه وأخلاقه في تعامله مع واقعه وتحديات عصره.
وأوضح الدكتور يحيى أن الوعي المنشود في الإسلام يشمل فهم غاية الخلق وتصحيح مفهوم العبادة لتكون شاملة للحياة كلها، وترسيخ الانتماء الواعي لهذا الدين، إلى جانب إدراك سنن الله الكونية وفقه الأولويات، والأخذ بأسباب القوة والإعداد في شتى المجالات، مشددًا على أن هذا الوعي المتكامل هو السبيل لبناء أجيال قادرة على حماية أوطانها وصون هويتها والمشاركة الإيجابية في نهضة المجتمع واستقراره.
تستمر فعاليات الأسبوع الدعوي على مدار خمسة أيام، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، تتنوع خلالها الندوات الفكرية التي تؤكد أن التعليم رسالة بناء ونهضة، وأن العلم وسيلة الوعي ومفتاح التقدم، فضلًا عن إبراز خطورة الثأر وأثره في تفكيك المجتمع، إلى جانب جلسات تتناول أهمية ثبات القيم الإسلامية أمام التحديات الفكرية، وأخرى تسلط الضوء على أخطار العصبية القبلية وأثرها في تمزيق وحدة المجتمع.

