أثار مقطع فيديو تم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي لأحد الأشخاص الذي تحدث فيه عن مصير والدي النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- جدلًا واسعًا في مصر، مما دفع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إلى إصدار بيان يوضح فيه موقفه، مؤكدًا على نجاة والدي النبي، محذرًا من إثارة مشاعر المسلمين في هذا السياق.

أوضح الأزهر للفتوى الإلكترونية أن المسائل المتعلقة بهذا الموضوع قد تم حسمها من قبل علماء الأمة عبر العصور، حيث اتفقوا على أن والدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليسا من أهل النار، وهو ما تعزز به آراء المذاهب الإسلامية المختلفة.

أدلة وبراهين “نجاة أبوي النبي”.

في بيان صدر اليوم، أكد الأزهر العالمي للفتوى أن العلماء استندوا إلى مجموعة من الأدلة التي تدعم القول بنجاتهما، ومن أبرز هذه الأدلة.

– أنهما من أهل الفترة، حيث توفيا قبل بعثة النبي، ومن لم تبلغه الدعوة فهو ناجٍ، كما جاء في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15]
– أن والدي النبي كانا على الحنيفية السمحة، دين سيدنا إبراهيم عليه السلام، مستدلين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [سورة الشعراء: 219]، وبحديث النبي ﷺ: «لم يزلِ الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة، مُصفّى مهذبًا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»
– أن الله تعالى أكرم نبيه بإحياء والديه له حتى آمنا به، وقد أشار بعض الحفاظ إلى أن أحاديث الإحياء، رغم ضعف أسانيدها، تتقوى بمجموع طرقها، وتُروى في فضائل الأعمال
– في إيمان والدي النبي ونجاتهما رضا له، حيث أورد الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [سورة الضحى: 5] يشير إلى رضا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بعدم دخول أحد من أهل بيته النار
– كما كتب مجموعة من الأئمة في إثبات نجاتهما، ومنهم الإمام السيوطي الذي ألف ست رسائل في هذا الموضوع، بالإضافة إلى ما كتبه العلماء قبله وبعده نصرة لمقام النبي وتنزيهًا لآبائه الكرام

الرد على حديث “إن أبي وأباك في النار”.

فيما يتعلق بالأحاديث التي استند إليها البعض، مثل رواية أنس رضي الله عنه: «إن أبي وأباك في النار»، أوضح الأزهر أن أهل الحديث أكدوا انفراد حماد بن سلمة بذكر هذا اللفظ، وقد خالفه معمر الذي يُعتبر أكثر ضبطًا، حيث روى بلفظ: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار»، مما يمنع الجزم بثبوت اللفظ الأول، لا سيما مع ما قيل في حفظ حماد، حيث أشار بعض العلماء إلى وجود مناكير في حديثه

ومن المهم الإشارة إلى أن لفظ “الأب” يُستخدم في اللغة العربية للإشارة إلى العم كما في قوله تعالى: {نعبد إلهك وإله آبائك} [سورة البقرة: 133]، كما أن النبي قد يكون قد قال ذلك لتخفيف حزن الرجل ومواساته، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الروايات منسوخة بما ورد في حديث إحياء أبوي النبي، مما يجعلها غير صالحة للاعتماد عليها للطعن أو معارضة ما استقر عليه قول جمهور المحققين

تحذير الأزهر من الإساءة لأبوي النبي.

إن ما يؤلم كل مسلم محب لسيدنا رسول الله هو أن تُستخدم مثل هذه الروايات للإساءة إلى والديه الكريمين، حيث يُعتبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أبر الناس بوالديه وأشدهم حبًا لهما، كما حذر العلماء من الإساءة في هذا السياق، مستندين إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [سورة الأحزاب: 57]، وبحديث النبي ﷺ: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء»

لذا، فإن إثارة هذه المسألة لأغراض التشغيب أو الاستفزاز أو بغرض الظهور هي خروج عن الأدب الشرعي المطلوب، كما أنها تمثل مغامرة بالخروج من الإيمان برسالة النبي، وتؤذي مشاعر ما يقرب من ملياري مسلم يجلون رسول الله ويوقرون كل ما يتعلق به، وأكد الأزهر العالمي للفتوى على ضرورة تحلي المسلمين بالأدب مع مقام النبوة والابتعاد عن الفتن، وترك المسائل العلمية لأهلها، والعمل على توحيد الصف والكلمة بدلًا من إثارة النزاعات.