في مثل هذا اليوم، الخامس والعشرين من مارس، تسترجع الذاكرة الأزهرية والوطنية سيرة الإمام أحمد بن موسى العروسي، الذي يعتبر أحد أعظم رموز الفكر الإسلامي والنضال الوطني في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث لم يكن العروسي مجرد شيخ في الأزهر، بل كان تجسيدًا لنموذج “العالم الرباني” الذي يجمع بين منهج علمي صارم ووجدان شعبي متفاعل، إذ انطلقت رحلته من ريف المنوفية ليصبح رمزًا للعلم والعطاء، مؤسسًا سلالة علمية عُرفت بـ “البيت العروسي” الذي قدم للأزهر ثلاثة من كبار أئمته، ليبقى ذكره حيًا في وجدان الأمة كقائد ملهم واجه طغيان السلاطين وأثرى تاريخ المؤسسة الدينية.

النشأة والتعليم

وُلد الإمام أحمد بن موسى العروسي في عام 1133 للهجرة في قرية “منية عروس” بمركز أشمون، حيث نشأ في بيئة ريفية نقية ساهمت في تشكيل شخصيته الهادئة، وتلقى مبادئ العلوم في كتّاب قريته، إذ تميز بذكاء وحافظة قوية، مما دفعه للتوجه إلى “الجامع الأزهر” في القاهرة، الذي كان يعتبر قبلة المتعطشين للعلم في ذلك العصر.

التحق العروسي بالأزهر الشريف، حيث بدأ رحلته المعرفية تحت إشراف كبار العلماء مثل الشيخ “أحمد الدمنهوري” والشيخ “الملوي”، مما صقل ملكاته البحثية، إذ لم يكن مجرد طالب علم، بل كان باحثًا متمكنًا في الفقه الشافعي ومنطق وأصول التوحيد، حتى أصبح مرجعًا في علوم الحديث، مما منحه هيبة علمية وقدرة على التحصيل جعلته درةً في العصر العثماني.

توليه مشيخة الأزهر

بعد وفاة الشيخ أحمد الدمنهوري عام 1192 هـ، اتجهت الأنظار نحو “العروسي”، إذ لم يكن اختياره مجرد إجراء إداري، بل كان تعبيرًا عن تقدير العلماء لعلمه وتقواه، حيث بايعوه بالإجماع، واستقر على كرسي المشيخة وهو يحمل إرثًا ثقيلًا من المسؤولية الدينية.

دخل الشيخ العروسي سُدة المشيخة متسلحًا بهيبة العلماء، حيث كانت مشيخته عهدًا جديدًا من الرصانة والوقار، إذ حافظ على استقلالية الأزهر كقلعة للعلم، بينما كان له دور كمرجعية عليا للمجتمع، مما جعل صوته مسموعًا في دواوين الحكم كما كانت دروسه تتردد في زوايا المسجد.

مواقفه الوطنية والسياسية

عاش الإمام العروسي في فترة زمنية مليئة بالتحديات، حيث كانت مصر تعاني من صراعات المماليك، إذ برز كعالم لا ينزوي في محرابه، بل كدرعٍ تحمي الضعفاء من غطرسة الأمراء، وكانت كلمته مسموعة في دوائر الحكم، مما جعله صمام أمان للأمة.

لم يكن الشيخ يطيق رؤية الظلم يقع على كاهل الناس، فكان دائمًا صوت المقهورين، حيث تدخل بشكل حاسم ضد الضغوط المفروضة على الفلاحين والتجار، مما جعله يواجه الحكام بوقارٍ وثقة، حيث تكللت جهوده بالنجاح في عدة مناسبات.

تجلت ذروة نضاله في عام 1201 هـ عندما أوقف الحياة العلمية والدينية في الأزهر احتجاجًا على الظلم، مما أدى إلى انتفاضة شعبية كبرى، حيث قاد الجماهير نحو الحرية، مما أجبر الأمراء على الاستجابة لمطالبه.

إرثه العلمي

لم يكن الإمام العروسي مجرد مفسر للنصوص، بل ترك وراءه ذخيرة علمية متنوعة، حيث شملت مؤلفاته العديد من مجالات المعرفة، مثل “حاشيته على شرح نظام الطيبي” التي كانت مرجعًا لطلاب المنطق، و”شرح القصيدة المنفرجة” التي تعكس نزعته الروحية، كما كتب أيضًا “تائية السيوطي” التي أظهرت تمكنه من اللغة وعلم الكلام.

خلفية تاريخية

تعتبر “السلالة العروسية” التي أسسها الإمام العروسي واحدة من أسمى البيوتات العلمية، حيث تتابعت الأجيال في حمل لواء المشيخة، إذ اقتفى ولده الشيخ “محمد العروسي” أثره، تلاه حفيده الشيخ “مصطفى العروسي”، مما جعل بيت العروسي مؤسسة روحية وعلمية عريقة.

الوفاة

توفي الشيخ أحمد العروسي في غرة شعبان عام 1208 هـ (1793 م)، بعد أن قضى حوالي 16 عامًا في مشيخة الأزهر، ودفن في ضريحه بمسجد العروسي بالقاهرة.