عقدت دار الإفتاء المصرية محاضرة علمية تحت عنوان “الصداقة بين الشباب والفتيات.. الحدود والضوابط” ضمن فعاليات الدورة الرابعة التي تنظمها إدارة التدريب، حيث ألقاها الأستاذ الدكتور محمد عبد السلام العجمي، أستاذ أصول التربية بجامعة الأزهر ووكيل كلية التربية الأسبق للدراسات العليا والبحوث، وذلك في مقر الدار بالقاهرة.
استهل الدكتور العجمي محاضرته بمقارنة بليغة بين العلاقات الإنسانية في بيئات العمل والدراسة وقصة “القنفذ” في الشتاء، موضحًا أن الاقتراب من الآخرين قد يؤدي إلى الألم إذا كانت المسافة غير مناسبة، مما يستدعي ضرورة وجود “مسافة أمان” تضمن التعاون وتمنع الأذى وسوء الفهم، وأكد أن الهدف من المحاضرة هو الترشيد وبناء بيئة آمنة تحترم خصوصية الجميع.
وأشار إلى أن الواقع الجديد في العمل والدراسة يتطلب احتكاكًا يوميًا بين الشباب والفتيات، مما يجعل هذه العلاقات إما مصدر دعم وإبداع أو سببًا لمشكلات نفسية واجتماعية في حال غياب الضوابط، ومن هنا تبرز أهمية رسم “رقي المسافات” لتحقيق التوازن بين التعاون والالتزام.
تناول الدكتور العجمي التمييز بين “الزمالة” و”الصداقة”، موضحًا أن الزمالة تركز على الإنجاز في إطار الدراسة أو العمل وتنتهي بانتهاء الوقت الرسمي، بينما الصداقة تتميز بعلاقة أعمق تتضمن مشاركة الأسرار والوقت الخاص، وأكد أن القاعدة الذهبية في بيئات العمل والدراسة هي “الزمالة الراقية”، وأن الانتقال إلى صداقة عميقة يتطلب ضوابط تحفظ حقوق جميع الأطراف.
وفي سياق الضوابط السلوكية والأخلاقية، شدد الدكتور العجمي على مبدأ “الباب المفتوح”، حيث يجب أن يكون أي تعامل قابلًا للرؤية أو السماع لتعزيز الشفافية ومنع الشبهات، كما حذر من “الاعتمادية العاطفية” التي تجعل الزميل المصدر الوحيد للدعم النفسي، مما قد يؤدي إلى سوء فهم، وأكد على ضرورة احترام الكيان الاجتماعي للطرف الآخر، خاصة إذا كان أحدهما مرتبطًا بخطبة أو زواج، حيث تزداد أهمية الرسمية تقديرًا لهذا الرباط.
تطرق إلى كيفية رسم “الحدود الحمراء” بلباقة، مقدمًا نماذج عملية لعبارات تحفظ العلاقة المهنية، مثل الاعتذار عن مناقشة أمور خارج إطار العمل، أو التأكيد على إبقاء العلاقة في حدودها الرسمية لضمان الإنتاجية والاحترام المتبادل، وعرض مواقف واقعية للتدريب، منها طلب البقاء بعد ساعات العمل لمهمة شخصية غير مرتبطة بالوظيفة أو مشاركة زميلة أسرارًا خاصة بخلافاتها العاطفية، موضحًا أن التعاطف مطلوب لكن ضمن حدود تحافظ على التوازن.
أكد الدكتور العجمي أن البيئة المهنية الناجحة هي التي يشعر فيها الجميع بالأمان بعيدًا عن الخوف من سوء الفهم أو التحرش أو القيل والقال، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة “الرقي والمسافة”، معتبرًا أن وضع الحدود هو أرقى أنواع الاحترام للنفس وللآخرين، ومختتمًا بدعوة إلى اعتماد شعار: “مودة بلا كلفة، وزمالة بلا تجاوز”

