في أجواء روحانية مميزة خلال ليالي رمضان داخل الجامع الأزهر، أطلّ توأم الأزهري الحسن والحسين حسام رزق، اللذان لم يتجاوزا السادسة عشرة من العمر، ليؤمّا جموع المصلين في صلاة التراويح، حيث كانت هذه اللحظة التاريخية قد جعلتهما أصغر إمامان في تاريخ الأزهر، وقد جاء ذلك بتوجيهات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يحرص على اكتشاف ورعاية المواهب القرآنية الشابة، وقد حضر هذه الصلاة عدد من قيادات الأزهر وكبار علمائه.
روح المدرسة المصرية العريقة في التلاوة
مع تلاوة التوأم الخاشعة، انصت المصلون في خشوع واضح، حيث استحضروا روح المدرسة المصرية العريقة في التلاوة، فقد أمّا الحسن والحسين المصلين برواية إدريس عن خلف العاشر وقرآ من سورتي المؤمنون والنور في الركعات من الثالثة عشرة حتى العشرين، وقد تميز أداؤهما بالإتقان وجمال النبرة وحسن التجويد.
رحلة طويلة بدأت من بيتٍ تشبّع بحب القرآن الكريم
ينتمي التوأم إلى مركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة، ويدرسان في الصف الثاني الثانوي الأزهري بمعهد عبد المنعم رياض الأزهري، وقد أتما حفظ القرآن الكريم في سن الثالثة عشرة، ويتقنان عدة قراءات مثل ابن كثير وورش وعاصم، وذلك بعد رحلة من التلقي والدراسة على أيدي شيوخ ومعلمي قطاع المعاهد الأزهرية، إضافة إلى تأهيلهما من خلال مركز الأزهر الشريف للقرآن الكريم والتسجيلات القرآنية.
ولم يكن صعودهما إلى محراب الجامع الأزهر وليد لحظة عابرة، بل هو نتيجة رحلة طويلة بدأت من بيتٍ تشبّع بحب القرآن الكريم، حيث أوضح حسام رزق، والد الحسن والحسين، أن نشأتهما كانت داخل أسرة قرآنية بامتياز، إذ حرص جدهما على جعل القرآن محور حياة العائلة.
كما أكد الأب أن أبناء الحاج رزق الستة جميعهم من حفظة القرآن الكريم، وقد أتمت زوجاتهم الحفظ على أيدي أزواجهن، مما أضفى طابعًا عائليًا فريدًا جعل القرآن الكريم جزءًا من الحياة اليومية للأسرة، حيث تبرع الجد بمكان في قريته لتحويله إلى دار لتحفيظ القرآن الكريم، لتصبح منارة لتعليم كتاب الله لأبناء القرية.
وأشار الأب إلى أن الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في ما وصل إليه التوأم يعود إلى هذه البيئة القرآنية، ثم إلى رعاية الأزهر الشريف ومشايخه، حيث اكتشفت موهبتهما قبل نحو عام تقريبًا عندما زار عدد من قيادات شؤون القرآن الكريم بالأزهر دار التحفيظ التابعة للأسرة، حيث افتتح الحسن والحسين الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم، مما لفت الأنظار إلى موهبتهما الصوتية وتمكنهما في التلاوة.
وذكر حسام أن الطريق بعد ذلك لم يكن سهلا، حيث خضع التوأم لفترة إعداد وتدريب داخل منظومة الأزهر الشريف استمرت قرابة عام كامل، على أيدي عدد من المشايخ والمتخصصين في علوم التلاوة والقراءات، قبل أن يصلا إلى هذه اللحظة التي وقفا فيها في محراب الجامع الأزهر.
كما أوضح أن الحسن والحسين أتما حفظ كتاب الله كاملًا في سن الثالثة عشرة، واستكملا بعدها دراسة القراءات القرآنية، حتى أصبحا اليوم يتقنان عدة روايات وقراءات، وقد أشار الأب بابتسامة إلى أنهما يكادان يكونان نسخة واحدة في كل شيء، حيث يدرسان في المعهد الأزهري نفسه، وفي الصف ذاته، ويتشابهان في الشكل والصوت والأداء.
وفيما يتعلق بلحظة الوقوف لإمامة المصلين في الجامع الأزهر، وصف الحسين تلك التجربة بأنها كانت مزيجًا من الرهبة والفرح، حيث قال إن الوقوف لأول مرة لإمامة المصلين في هذا المكان العظيم يبعث شعورًا خاصًا، مما دفعه إلى مضاعفة الاستعداد والمراجعة قبل الصلاة.
أما الحسن، فقد وصف تلك اللحظة بأنها مسؤولية كبيرة، موضحًا أن التوتر كان حاضرًا في البداية لكنه تلاشى بمجرد الوقوف أمام القبلة وبدء التلاوة، حيث يصبح التركيز كله في أداء كلام الله كما ينبغي.
واتفق التوأم على طموح واحد، وهو مواصلة طريق العلم القرآني داخل الأزهر الشريف، حيث يأملان في الالتحاق بكلية القرآن الكريم والتخصص في علومه، مؤكدين أن حلمهما الأكبر هو أن يكونا من خدام كتاب الله.
وفي رسالة وجهها الحسن إلى الشباب، دعاهم إلى عدم هجر القرآن الكريم، مؤكدًا أن قراءة كتاب الله تبقي الصلة دائمة بين العبد وربه، ورغم تشابه مسيرتهما في أغلب التفاصيل، إلا أن الحسن أشار إلى أن شقيقه الحسين يتفوق عليه أحيانًا بفارق بسيط في درجات الدراسة، مما يعكس حالة التنافس الهادئ بين التوأمين.
تأتي هذه التجربة في إطار اهتمام الأزهر الشريف برعاية النابغين من حفظة القرآن الكريم، تنفيذًا لتوجيهات الإمام الأكبر باختيار أصحاب الأصوات الندية من مختلف محافظات الجمهورية، لإعداد جيل جديد من القراء والأئمة القادرين على تمثيل مصر في المحافل والمسابقات الدولية وإثراء الساحة القرآنية بتلاوات متميزة تعكس أصالة المدرسة المصرية في التلاوة.

