أكد الدكتور هاني تمام، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، أن قضايا الطلاق والتعدد تمثل أحد أبرز الملفات التي تثير جدلاً واسعًا داخل الأسر، حيث وضعت الشريعة الإسلامية لهذه المسائل ضوابط دقيقة ومقاصد واضحة تهدف إلى حفظ كرامة الإنسان، وخاصة المرأة، وضمان استقرار الأسرة وعدم الإضرار بها.
هل الطلاق قرار لحظة غضب؟
أضاف أستاذ الفقه خلال تصريحات تلفزيونية، أن الطلاق التعسفي بلا سبب معتبر شرعًا يعد أمرًا محرمًا ويحاسب عليه الفرد شرعًا، نظرًا لما يترتب عليه من أضرار بالأسرة وبالأخص الأطفال، مشيرًا إلى حرص الشريعة على استدامة الزواج والاستقرار الأسري، حيث أمرت بالسعي نحو الإصلاح والتحكيم بين الزوجين قبل اتخاذ قرار الطلاق.
أوضح أن الشريعة الإسلامية كرمت الإنسان بشكل عام، سواء كان رجلًا أو امرأة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال»، وكذلك قول الله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، مؤكدًا أن المرأة إنسانة مكرمة ولها كامل الاحترام والتقدير، ولا يجوز لأحد أن يقلل من مكانتها، لأن الشريعة لا تفضل أحدًا على أحد في الكرامة الإنسانية
هل التعدد في الزواج باب مفتوح بلا ضوابط؟
أشار إلى أن الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والتعدد هي أحكام شرعية أنزلها الله سبحانه وتعالى، مما يستدعي فهمها وتطبيقها وفق ضوابط الشرع وليس الأهواء الشخصية، موضحًا أن بعض الناس يعتقدون أن الطلاق مجرد قرار فردي يمكن اتخاذه في أي وقت، بينما هو في الحقيقة حكم شرعي له تفاصيل وأحكام حددها القرآن الكريم بدقة.
بيّن أن القرآن أفرد سورة كاملة لبيان أحكام الطلاق وهي سورة الطلاق، التي سماها بعض العلماء «النساء الصغرى»، حيث وضحت أحكام الطلاق قبل وقوعه وأثناءه وبعده، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى قال بعد بيان هذه الأحكام: «ذلك أمر الله أنزله إليكم»، مما يشير إلى أن هذه الأحكام ليست اجتهادات بشرية وإنما تشريع إلهي يجب الالتزام به
أكد الدكتور هاني تمام أن الطلاق ليس وليد لحظة غضب أو انفعال، حيث إن بعض الأزواج عندما تحدث مشكلة يندفعون ويطلقون زوجاتهم فورًا، وهذا أمر غير صحيح شرعًا، لأن الطلاق له أوقات وضوابط حددها الشرع، كما أن النفوس في لحظات الغضب قد تدخلها العناد والكبر، ولذلك كان القرآن يربط أحكام الطلاق دائمًا بالتقوى في قوله تعالى: «واتقوا الله»
أوضح أن الطلاق إذا تم وفق الطريقة الشرعية الصحيحة التي ترضي الله سبحانه وتعالى قد يكون فيه أجر وثواب، لأن الإنسان حين يلتزم بأحكام الله في أصعب لحظات الخلاف يكون قد اتقى الله، مما يجعل الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له الأجر، بينما إذا وقع الطلاق على غير مراد الله وبمخالفة أحكام الشريعة فإنه يترتب عليه الذنب والعقوبة في الدنيا والآخرة.
وفيما يتعلق بالتعدد، أشار أستاذ الفقه إلى أن التعدد في الإسلام ليس فرضًا على الرجل وليس ممنوعًا أيضًا، بل هو أمر مباح بشروط وضوابط، موضحًا أن الشريعة لم تترك هذا الأمر بلا قيود، وإنما اشترطت القدرة والعدل وتحمل المسؤولية.
أضاف أن الزواج في الأصل مباح للناس جميعًا، لكنه قد يختلف حكمه بحسب حال الشخص، فقد يكون مباحًا أو مستحبًا أو حتى محرمًا في بعض الحالات، فإذا كان الإنسان غير قادر على تحمل مسؤولية الزواج أو كان سيظلم زوجته فإن الزواج في حقه قد يكون محرمًا، لأن الظلم حرام وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
شدد على أن الزواج ليس مجرد ارتباط شكلي بين رجل وامرأة، بل هو مسؤولية كبيرة وصفها القرآن الكريم بأنها «ميثاق غليظ»، ولذلك يجب على الإنسان قبل الإقدام عليه أن يكون مؤهلًا لتحمل أعبائه النفسية والمادية والأخلاقية.
أوضح أن التعدد كذلك تحكمه نفس القاعدة، فهو مباح لمن لديه القدرة والعدل ويحتاج إليه لسبب معتبر، لكنه ليس حقًا مطلقًا يمارسه الرجل بلا ضوابط، بل سيحاسب أمام الله على مدى التزامه بالعدل بين زوجاته ورعايته لحقوق كل منهن.
لفت إلى أن للمرأة أيضًا حقًا في التعامل مع مسألة التعدد وفق قدرتها النفسية، فإذا كانت لا تستطيع تقبله فلها الحق أن تطلب الطلاق، ولا إثم عليها في ذلك، لأن الشريعة لا تحمل الإنسان ما لا يطيق، لكنها في الوقت نفسه لا تجيز لأحد أن ينكر حكمًا من أحكام الله.
أكد الدكتور هاني تمام، أن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق العدل والرحمة ومراعاة مصالح الناس جميعًا، وأنها تسع الجميع ولا تظلم أحدًا، مشددًا على ضرورة فهم هذه الأحكام في إطارها الصحيح بعيدًا عن العاطفة أو سوء الفهم، حتى تستقيم حياة الأسر ويعم الاستقرار داخل المجتمع.

