في قلب القاهرة القديمة، تتجلى معالم الجامع الأزهر بشموخ مآذنه وقبابه التي تحمل في طياتها تاريخًا يمتد لأكثر من ألف عام من العلم والعبادة، حيث تكتسب أجواءه طابعًا خاصًا خلال شهر رمضان، ليصبح مكانًا يجمع بين العبادة والتعلم ويحتضن الفعاليات الثقافية والدينية التي تعكس روح المدينة الحية.

تتفاعل الأصوات في الأزقة المحيطة بالجامع مع صدى الأذان، مما يخلق مشهدًا يدمج بين التاريخ والحاضر، وفي إحدى زوايا الجامع، يجلس أحمد علام مع أسرته، حيث يتأمل حركة المنظمين الذين يستعدون لإفطار الصائمين في الساحة الخارجية، وقد عبر عن حرصه على زيارة الأزهر كل عام، مشيرًا إلى أن الأجواء الروحانية هنا تختلف عن أي مكان آخر، مما يعكس أهمية هذا المعلم التاريخي بالنسبة له ولعائلته.

تطوير الجامع الأزهر

عبر أحمد عن إعجابه بالتطورات التي شهدها الجامع، حيث أشار إلى تحسينات في النظافة والتنظيم، متمنيًا زيادة عدد دورات المياه لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الزوار خلال شهر رمضان، موضحًا أن الأجواء هنا تحمل شعورًا بالعيد مع كل صلاة.

تتسم ليالي رمضان في الجامع الأزهر بطقوس خاصة تعكس الارتباط العميق بالروح الدينية للمصريين، حيث تكتظ ساحاته بالعلم والتقوى، وقد أوضح الدكتور مصطفى شيشي، مدير إدارة شؤون الأروقة، أن الجامع ينظم عدة برامج تعليمية، مثل المقرأة الصباحية والمقرأة اليومية داخل الجامع، بالإضافة إلى توفير 7 آلاف وجبة يوميًا للطلبة الوافدين، مع السعي لزيادة وجبات السحور خلال العشر الأواخر من الشهر.

كما أشار شيشي إلى مكانة الأزهر كمرجعية دينية وسطية، حيث اكتسبت هذه المكانة على مر القرون، وذكر أن الأزهر قد أسس أروقة علمية جديدة في فروعه بالمحافظات، مما يعكس توجيهات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب.

أول جامع أُنشئ في القاهرة الفاطمية

يؤكد الدكتور محمد حمزة، المؤرخ وخبير الآثار، أن الجامع الأزهر ليس مجرد مسجد للصلاة، بل هو مؤسسة علمية وحضارية ساهمت في تشكيل هوية القاهرة عبر القرون، مشيرًا إلى أنه أول جامع أُنشئ في القاهرة الفاطمية، وقد شهد تحولات تاريخية مهمة، بما في ذلك إلغاء صلاة الجمعة لمدة تقارب مئة عام في عهد صلاح الدين الأيوبي.

أضاف حمزة أن الأزهر في العصر الفاطمي كان مدرسة علمية كبرى، وقد تطور دوره في العصر الأيوبي ليشمل تدريس مجالات متعددة، مما يعكس تنوع العلوم التي احتضنها الجامع، مشيرًا إلى أن الأزهر تحول في العصر المملوكي إلى قلعة للتيار السني، وتم إلحاق المدارس العلمية به، مما جعله مدينة علمية متكاملة.

كما أوضح أن نظام الأروقة شهد نشأة أروقة علمية سُميت وفقًا لجهات قدوم الطلاب، مثل رواق المغاربة ورواق الروم، مما يعكس التفاعل الثقافي بين الطلاب من مختلف البلدان، وكان لكل رواق أوقاف خاصة تُنفق على طلبة العلم، مع الإشارة إلى وجود رواق خاص لفاقدي البصر.

اختتم حمزة حديثه بالتأكيد على أن الدور التاريخي للأزهر تجاوز حدود التعليم الديني، حيث ساهم في الحفاظ على اللغة العربية والوسطية الإسلامية التي تميز المجتمع المصري عبر العصور.