عقد الجامع الأزهر ملتقاه الفقهي ضمن فعاليات “ملتقى باب الريان” تحت عنوان “بيان مفهوم الفطرة في القرآن الكريم وأثرها في بناء الإنسان المتوازن عقديًا وأخلاقيًا” حيث استضاف الملتقى الدكتور الطويل محمد أحمد، عضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، والشيخ ثروت عبد اللطيف إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وأدار الحوار الشيخ أحمد محمد عبد العزيز، الباحث اللغوي بالجامع الأزهر، وسط حضور طلابي وجماهيري تفاعل مع محاور اللقاء وأسئلته.

في بداية الملتقى، أكد الدكتور الطويل محمد أن لفظ الفطرة ورد في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها الابتداء والانشقاق، ومنها الخلق على الهيئة الأولى قبل التغير، مستشهدًا بقوله تعالى: “الحمد لله فاطر السماوات والأرض” وقوله تعالى: “وما لي لا أعبد الذي فطرني” موضحًا أن جمهور المفسرين أجمعوا على أن الفطرة تعني دين الإسلام، أي التوحيد الخالص وإفراد الله بالعبودية والربوبية، مصداقًا لقوله تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم” وكذلك ما جاء في الحديث الشريف: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة” أي على الحنيفية السمحة والاستعداد الفطري للإيمان بالله تعالى

انتكاسة الفطرة.

وأوضح أن الفطرة قد يعتريها الانتكاس بسبب البيئة أو تأثير الوالدين، فالأصل أن الإنسان يولد على التوحيد، غير أن التنشئة قد توجهه إلى غير ذلك، مستشهدًا بالحديث القدسي: “إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فحولتهم عن دينهم” بما يؤكد أن الانحراف طارئ وأن الأصل هو الاستقامة، مبينًا أن للفطرة جانبين، أحدهما قلبي يتمثل في ميل القلب إلى الإيمان بالله، والآخر عملي سلوكي يظهر في خصال النظافة وحسن الهيئة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن خصال الفطرة

الفطرة السليمة.

من جانبه، أكد الشيخ ثروت عبد اللطيف أن الفطرة تمثل الميزان الذي أودعه الله في بني البشر ليرشدهم إلى الحق، وهي مرتبطة بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم كما في قوله تعالى: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى” وقوله تعالى: “ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين” مشيرًا إلى أن الفطرة السليمة تهدي الإنسان إلى توحيد الله وتحميه من الشرك والإلحاد والانغماس في الشهوات والمعاصي

وشدد على أن ما أوجبه الله تعالى يتسق مع الفطرة السليمة ويحقق لها الكمال، وأن بقاء الفطرة نقية يدفع الإنسان إلى التوبة والرجوع إلى الله، ويوقظ ضميره عند الوقوع في المعصية، خاصة الذنوب الخفية، فيظل القلب الحي يسعى إلى تصحيح مساره والإنابة إلى ربه.

جدير بالذكر أن الملتقى الفقهي “باب الريان” يأتي في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال وخدمة المجتمع.