قال الدكتور الطويل محمد، عضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، إن لفظ الفطرة يظهر في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة تشمل الابتداء والانشقاق والخلق على الهيئة الأولى قبل التغير، حيث استشهد بقوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض، وكذلك قوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني، موضحًا أن جمهور المفسرين أجمعوا على أن الفطرة تعني دين الإسلام، أي التوحيد الخالص وإفراد الله بالعبودية والربوبية، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، كما جاء في الحديث الشريف: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، مما يدل على الاستعداد الفطري للإيمان بالله تعالى.

وأضاف خلال ملتقى الجامع الأزهر الفقهي ضمن فعاليات «ملتقى باب الريان» تحت عنوان «بيان مفهوم الفطرة في القرآن الكريم وأثرها في بناء الإنسان المتوازن عقديًا وأخلاقيًا»، أن الفطرة قد تتعرض للانتكاس نتيجة تأثير البيئة أو الوالدين، إذ أن الأصل هو أن الإنسان يولد على التوحيد، إلا أن التنشئة قد توجهه إلى غير ذلك، مستشهدًا بالحديث القدسي: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فحولتهم عن دينهم، مما يؤكد أن الانحراف طارئ وأن الأصل هو الاستقامة، مبينًا أن للفطرة جانبين، أحدهما قلبي يتمثل في ميل القلب إلى الإيمان بالله، والآخر عملي سلوكي يظهر في خصال النظافة وحسن الهيئة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن خصال الفطرة.

من جانبه، أكد الشيخ ثروت عبد اللطيف إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الفطرة تمثل الميزان الذي أودعه الله في بني البشر ليرشدهم إلى الحق، وهي مرتبطة بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم كما في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى، وقوله تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، مشيرًا إلى أن الفطرة السليمة تهدي الإنسان إلى توحيد الله وتحميه من الشرك والإلحاد والانغماس في الشهوات والمعاصي.

وشدد على أن ما أوجبه الله تعالى يتسق مع الفطرة السليمة ويحقق لها الكمال، كما أن بقاء الفطرة نقية يدفع الإنسان إلى التوبة والرجوع إلى الله، ويوقظ ضميره عند الوقوع في المعصية، خاصة الذنوب الخفية، حيث يظل القلب الحي يسعى إلى تصحيح مساره والإنابة إلى ربه.

أدار الحوار الشيخ أحمد محمد عبد العزيز، الباحث اللغوي بالجامع الأزهر، وسط حضور طلابي وجماهيري تفاعل مع محاور اللقاء وأسئلته، ويذكر أن الملتقى الفقهي «باب الريان» يأتي في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال وخدمة المجتمع.