نظم الجامع الأزهر ملتقى «رياض الصائمين» اليوم الأربعاء تحت عنوان «أثر الإيمان والإتقان في رقي الأمة» في إطار سلسلة من الدروس والملتقيات العلمية التي تُعقد خلال شهر رمضان المبارك، حيث يهدف الملتقى إلى ترسيخ القيم الإيمانية وتعزيز الوعي الديني في المجتمع.
وشهد الملتقى حضور الدكتور عبد الرحمن محمدي، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بالقاهرة، والدكتور يوسف محمد المنسي الواعظ بمجمع البحوث الإسلامية، بينما قدم وأدار اللقاء الشيخ كريم حامد أبو زيد، الباحث بالجامع الأزهر الشريف، وسط حضور من طلاب العلم ورواد الجامع الأزهر.
في مستهل الملتقى، أوضح الشيخ كريم حامد أبو زيد أن الإيمان والإتقان يمثلان الركيزة الأساسية لنهضة الأمم وتقدمها، حيث أشار إلى أن الإيمان الصادق هو الأساس الذي يرسخ في قلب الإنسان ويضبط سلوكه في الحياة، بينما يعد الإتقان الثمرة العملية لهذا الإيمان حين ينعكس في جودة العمل وحسن الأداء في مختلف المجالات.
كما أوضح أن الإسلام لم يفصل يومًا بين عمارة القلوب بالإيمان وعمارة الأرض بالعمل المتقن، بل جعلهما جناحين لا يمكن للأمة أن تنهض بدونهما، مشيرًا إلى أن مظاهر التراجع في بعض المجتمعات لا تعود إلى ضعف العقيدة أو نقص الموارد، وإنما إلى غياب الإتقان في العمل والفصل بين الإيمان النظري والسلوك العملي.
من جانبه، أكد الدكتور عبد الرحمن محمدي أن الإسلام أولى قيمة العمل والإتقان عناية كبيرة، حيث جعل عمارة الأرض من أعظم المهام التي أوكلها الله تعالى للإنسان، مستشهدًا بقوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، موضحًا أن القرآن الكريم قرن بين الإيمان والعمل الصالح في أكثر من مائة موضع، بما يؤكد أن الإيمان الحق لا ينفصل عن العمل النافع الذي يسهم في خدمة المجتمع
وأضاف أن العمل للدنيا جزء أصيل من الإيمان، مستدلًا بقول الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل»، مما يعكس قيمة العمل والإنتاج حتى في أصعب اللحظات
وأشار إلى أن الإتقان في الإسلام قيمة إيمانية وأمر إلهي يشمل جميع مجالات الحياة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، موضحًا أن الإحسان عبادة شاملة تتجلى في العبادات والمعاملات على حد سواء
وتطرق الدكتور عبد الرحمن محمدي إلى أسباب ضعف الإتقان في بعض المجتمعات، ومنها الجهل بقيمة الإتقان الحقيقية والسعي وراء المكاسب السريعة دون مراعاة جودة العمل، فضلًا عن ضعف العزيمة وقلة الإخلاص، مؤكدًا أن تحقيق الإتقان يعتمد على عدة أسس، منها الإخلاص لله ومراقبته والتحلي بالصبر والمثابرة واكتساب الخبرة.
وحذر من خطورة إهمال الإتقان في العمل، لما قد يترتب عليه من أخطاء جسيمة تؤثر على الأرواح والممتلكات، مشددًا على أن الإتقان الحقيقي ينبع من ضمير الإنسان ومراقبته لله.
وفي السياق، أكد الشيخ يوسف محمد المنسي أن الإسلام أولى اهتمامًا كبيرًا برقي الأمم وعمارة الأرض، موضحًا أن الحضارة في المنظور الإسلامي تقوم على منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والإيمان.
وأشار إلى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أسس حضارة الإسلام على الإيمان بالله، مستشهدًا بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، موضحًا أن القراءة والمعرفة في الإسلام يجب أن تكون منطلقة من الإيمان بالله، وأن الحضارة الحقيقية تجمع بين العلم النافع والقيم الأخلاقية
وأضاف أن الحضارة الإسلامية قامت على أسس متينة من الإيمان والوحي والأخلاق، مؤكدًا أن الإسلام لا يتعارض مع العلم أو المعرفة، بل يدعو إليها ويحث عليها، مستشهدًا بما ذكره ابن خلدون حول حال العرب قبل الإسلام وكيف جمعهم الوحي.
وأوضح أن بقاء الحضارات واستمرارها يرتبط بمدى تمسكها بالقيم والإيمان، إلى جانب الالتزام بالإتقان في العمل ومراقبة الله، مشيرًا إلى أن هذه القيم تمثل الضمان الحقيقي لاستمرار أي حضارة وازدهارها.
يأتي تنظيم ملتقى «رياض الصائمين» في إطار الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تقديم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تعمق فهم الناس لحقائق العبادات ومقاصدها وتعزز القيم الإيمانية والأخلاقية في المجتمع، انطلاقًا من الدور التاريخي للأزهر الشريف في نشر صحيح الدين وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال وخدمة قضايا المجتمع.

