تواجه مصر في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة تتعلق بتوافق مخرجات التعليم الجامعي مع احتياجات سوق العمل، حيث يتضح ذلك من خلال الزيادة الكبيرة في أعداد خريجي بعض التخصصات النظرية مقارنة بفرص العمل المتاحة لهم في مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي هذا الإطار دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية إلى ضرورة إعادة النظر في التخصصات الجامعية التي لا يجد خريجوها فرصًا مناسبة في سوق العمل، والتوسع في التخصصات التي تشهد طلبًا متزايدًا عليها.

في سياق هذا الموضوع، ترأس الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي اجتماعًا طارئًا للمجلس الأعلى للجامعات لمناقشة تنفيذ التوجيهات الرئاسية الخاصة بمواءمة البرامج الدراسية مع احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، حيث توصل المجلس إلى مجموعة من الإجراءات والآليات التي تستهدف تطوير البرامج الدراسية وتعزيز فرص توظيف خريجي الجامعات المصرية، وذلك بعد أن انفردت القاهرة 24 بالكشف عن تشكيل لجنة عليا لوضع خريطة مستقبل سوق العمل.

كما يستعرض التقرير تحليل وضع خريجي الكليات النظرية في مصر، خاصة في كليتي التجارة والآداب من خلال تحليل بيانات الخريجين ومؤشرات البطالة الرسمية.

تراجع معدل البطالة إلى 6.2% من إجمالي قوة العمل

وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في فبراير الماضي عام 2026م، تراجع معدل البطالة إلى 6.2٪ من إجمالي قوة العمل في الربع الرابع من 2025، بانخفاض قدره 0.2٪ عن الربع السابق.

كما أظهر المسح السنوي للقوى العاملة الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تسجيل عدد المتعطلين 2.152 مليون متعطل بنسبة 6.2% من إجمالي قوة العمل، منهم 1.019 مليون من الذكور و1.133 مليون من الإناث، مقابل 2.229 مليون متعطل في الربع السابق، بانخفاض قدره 3.6%.

تشير الإحصائيات إلى أن البطالة تتركز بشكل أكبر بين الشباب، وتعتبر الفئة الجامعية أكثر ارتباطًا بخريجي الجامعات، حيث بلغ معدل البطالة بين الذكور 3.8% مقابل 4.0% في الربع السابق، فيما بلغ بين الإناث 14.3% مقابل 15.0% في الربع السابق، موزعين بواقع 45.0% من الجامعيين وما فوقه، وتعتبر هذه الفئة العمرية الأكثر ارتباطًا بخريجي الجامعات، مما يستدعي دراسة البطالة بين خريجي التعليم العالي

على أساس سنوي، ارتفعت البطالة بشكل طفيف بمقدار 22000 مقارنة بالربع الأخير من عام 2024، بينما انخفضت نسبة البطالة بين الرجال إلى 3.8% من 4.0% في الربع السابق و3.9% في العام الماضي، كما انخفضت نسبة البطالة بين النساء إلى 14.3% من 15% في الربع الثالث و16.6% في العام الماضي.

بلغ عدد المشتغلين 32.677 مليون فرد مقابل 32.498 مليون في الربع السابق، بنسبة زيادة بلغت 0.6%، منهم 13.716 مليون في الحضر و18.961 مليون في الريف.

شكل الأشخاص الحاصلون على مؤهلات متوسطة وفوق المتوسطة ومؤهلات جامعية 82.1 بالمائة من العاطلين عن العمل في الربع الرابع، بانخفاض عن 83.1 بالمائة في الربع السابق، وبالنسبة الأخص لخريجي الجامعات والدراسات العليا بلغت نسبتهم 45.0%، مقارنةً بـ 43.4% في الربع الثالث و44.9% في العام السابق.

إجمالي عدد خريجي التعليم العالي في مصر

بلغ عدد خريجي التعليم العالي 743.100 خريج، موزعين حسب التخصصات على النحو التالي.

تظهر بيانات توزيع خريجي الجامعات أن بعض المجالات تستحوذ على نسبة كبيرة من إجمالي الخريجين

خريجي التعليم العالي التخصص ألف خريج 743.1% كلية التجارة الأعمال والإدارة والقانون 31.5% كلية الآداب الفنون والعلوم الإنسانية 11.8% كلية الهندسة التصنيع والبناء 9.5% كلية الإعلام العلوم الاجتماعية والصحافة والإعلام 4.7% كلية الزراعة الحراجة ومصايد الأسماك والبيطرة 3.0% تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 4.3% العلوم الطبيعية والرياضيات والإحصاء 3.7% الخدمات 3.6%.

بناءً على ذلك، يمكن تقدير أن أكثر من 60٪ من خريجي الجامعات في مصر ينتمون إلى تخصصات نظرية، مما يمثل أهميتها في سوق العمل وتوفر الفرص للشباب الخريجين.

السيسي: الدولة مستعدة لتبني تعليم وتدريب 3 آلاف طالب على الحوسبة السحابية

وجه الرئيس السيسي التركيز على التوجه للكليات التكنولوجية موضحًا أن هناك كليات علوم تقليدية ونظرية في مصر، وقال: “قاعدين كلكوا تدخلوا ولادكم كليات تجارة وآداب وحقوق، هيطلع شغال إيه”

أوضح خلال احتفالية افتتاح مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية في 28 أبريل 2024: “الابن يبقى زعلان مني وزعلان من الحكومة يقول ما بتشغلوناش ليه؟، وطلب السيسي من أولياء الأمور في المراحل التعليمية المختلفة، ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية، أن يشجعوا أبناءهم على الالتحاق بالمجالات التكنولوجية الحديثة التي تدر على ذويها وعلى الدولة مليارات الدولارات سنويًا، موضحًا أن هناك بعض أولياء الأمور يركزون على أن أبنائهم يأتون بمجموع كبير ليلتحقوا بكليات الطب والهندسة

أشار إلى أن هناك أحد الدول التي يشكل العمل في مجالات الحوسبة مصدر دخل مهم بها، قائلا: في بلد والله ما يتخطى عدد سكانها صوابع الايدين منهم 700 ألف شغالين في مجال التكنولوجيا بيدخلوا عملة صعبة لبلادهم وطرح السيسي تساؤل خلال الفعالية: عند 4 ملايين طالب في الجامعة مش قادر أطلعهم طلاب قادرين يشتغلوا علي الحوسبات السحابية؟

تابع: مجال الحوسبة السحابية يمثل أهمية قصوى لدى الدولة التي تريد تحويل توجه أولياء الأمور من الكليات التي بها فائض خريجين في سوق العمل إلى مجالات الحوسبة السحابية التي تمثل مصدر دخل هام، قائلا: عايزين تدخلوا أولادكم أداب وتجارة وحقوق مع كامل الاحترام طب هيطلع يشتغل ايه.. وتيجي تقولوا هيطلع يشتغل ايه وأنا بقولك على حاجة بتشتغلها من البيت وتاخد 20 – 30 ألف دولار وممكن يوصل لـ 100 ألف دولار، متابعًا الدولة مستعدة لتبني تعليم وتدريب 3 آلاف طالب على الحوسبة السحابية

أكد الخبراء خلال حديث مع القاهرة 24، أن إعادة تنظيم أعداد الطلاب في التخصصات الجامعية ضرورة لمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتقليل فائض الخريجين في بعض التخصصات وزيادة أعداد الطلاب في المجالات المطلوبة، بما يحافظ على مستقبل الطلاب ويحقق الاستفادة القصوى من منظومة التعليم.

المشكلة ليست في التخصص وإنما في الأعداد الكبيرة التي يتم قبولها

أوضح الدكتور محمد كمال الخبير التربوي وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، أن فكرة تقليص بعض التخصصات الجامعية لا تعني إغلاقها، وإنما إعادة هيكلة التعليم الجامعي بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون الطالب على دراية منذ البداية بواقع فرص العمل المرتبطة بالتخصص الذي يرغب في دراسته.

وأشار إلى أن الدولة تنفق مليارات الجنيهات على التعليم، وفي حال تخرج الطالب دون أن يجد فرصة عمل في مجاله، فإن ذلك يمثل إهدارًا للمال العام وإهدارًا للطاقة البشرية في الوقت نفسه، لذلك من الضروري إعادة النظر في أعداد الطلاب المقبولين في بعض التخصصات التي تعاني من فائض كبير في الخريجين مقارنة بفرص العمل المتاحة، موضحًا أن المشكلة ليست في التخصص وإنما في الأعداد الكبيرة التي يتم قبولها.

تابع خلال حديثه، أن المشكلة ليست في وجود التخصص نفسه، وإنما في الأعداد الكبيرة التي يتم قبولها فيه، حيث يؤدي ذلك في النهاية إلى تخريج أعداد كبيرة من الطلاب لا يجدون فرص عمل مناسبة بعد التخرج.

هناك تخصصات يحتاجها سوق العمل بشكل أكبر مثل الطب والتمريض والزراعة والطب البيطري

لفت إلى أن الدولة ليست مطالبة بقبول أعداد كبيرة من الطلاب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، لأن ذلك يؤدي إلى تخريج أعداد كبيرة من الشباب الذين لا يجدون فرص عمل في مجالات دراستهم، موضحًا أن هناك تخصصات يحتاجها سوق العمل بشكل أكبر، مثل الطب والتمريض والزراعة والطب البيطري وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى زيادة أعداد الدارسين فيها، نظرًا للحاجة الفعلية لها داخل المجتمع.

بعض البرامج الدراسية تحتاج إلى تطوير وتحديث حتى تتوافق مع متطلبات العصر وسوق العمل الحالي

الدكتور تامر شوقي أستاذ التقويم التربوي بجامعة عين شمس، أشار إلى أن المشكلة في بعض التخصصات لا تكون في التخصص نفسه وإنما في تضخم أعداد الخريجين مقارنة بفرص العمل المتاحة خاصة أن بعض الكليات موجودة في عدد كبير من الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في أعداد الخريجين سنويا، موضحًا أن هناك فارقا بين دراسة العلم نفسه ودراسة تاريخ هذا العلم مؤكدًا أن بعض البرامج الدراسية قد تحتاج إلى تطوير وتحديث حتى تتوافق مع متطلبات العصر وسوق العمل الحالي.

اختتم حديثه بالتأكيد على أن الدولة والجامعات تعمل على إعادة تنظيم القبول في بعض الكليات وتقليل الأعداد المقبولة في بعض التخصصات مع التوسع في الجامعات التكنولوجية والبرامج التطبيقية التي تلبي احتياجات سوق العمل بشكل أكبر.

تقليل أعداد المقبولين في بعض التخصصات قد يكون في مصلحة الطالب نفسه

أما الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية في جامعة القاهرة، يرى أن أي تخصص قد يحدث فيه تكدس في أعداد الخريجين، سواء كان تخصصًا أدبيًا أو علميًا، وبالتالي يصبح سوق العمل غير قادر على استيعاب كل هذه الأعداد.

استطرد قائلًا أن تقليل أعداد المقبولين في بعض التخصصات قد يكون في مصلحة الطالب نفسه وفي مصلحة المجتمع والتخصص أيضًا، لأن ذلك يعني اختيار عدد أقل من الطلاب ولكن من أصحاب المجموع المرتفع والمهتمين فعلًا بهذا التخصص، مضيفًا هذا الأمر يضمن أن يكون الملتحقون بالتخصص هم بالفعل القادرون على تطويره والتميز فيه، بدلًا من تخريج أعداد كبيرة من الطلاب بمستوى متواضع، أو يجد الخريج نفسه مضطرًا للعمل في مجال بعيد تمامًا عن تخصصه، مثل خريج اللغة العربية الذي يعمل في مهنة لا علاقة لها بدراسته.

الظاهرة تمثل إهدارًا للطاقة البشرية وتؤدي في النهاية إلى البطالة

أكد أن هذه الظاهرة تمثل إهدارًا للطاقة البشرية، لأن المجتمع ينفق على تعليم هؤلاء الطلاب سنوات طويلة ثم لا يعملون في مجالات تخصصهم، وهو ما يؤدي في النهاية إلى البطالة، والبطالة قد تؤدي بدورها إلى مشكلات اجتماعية وعدم استقرار، مشددًا أن الهدف ليس إلغاء التخصصات، وإنما تنظيم أعداد الملتحقين بها بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، حتى لا يكون هناك تكدس كبير من الخريجين، وفي الوقت نفسه يضمن الطالب فرصة أفضل للعمل بعد التخرج.

اختتم أن هناك توسعًا حاليًا في إنشاء جامعات وكليات جديدة، مثل الجامعات التكنولوجية والتخصصات الحديثة المرتبطة بسوق العمل، وهي قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب، لكن المشكلة أن بعض الطلاب ما زالوا متمسكين بالفكرة القديمة وهي دخول كليات معينة فقط والحصول على شهادة جامعية دون النظر إلى احتياجات سوق العمل.