في قلب مشيخة الأزهر الشريف، يبرز مرصد الأزهر لمكافحة التطرف ككيان رائد في التصدي للأفكار المنحرفة، حيث لا تقتصر جهوده على الردود الدينية التقليدية، بل تمتد لتشمل رصدًا رقميًا وتحليلاً سياسيًا وترجمة فورية لخطابات التنظيمات المتطرفة بـ 13 لغة حية، مما يجعله بوصلة عالمية في مواجهة التطرف الفكري.
في حوارٍ شامل مع الدكتورة رهام سلامة، مديرة المرصد، نستعرض تفاصيل عمل المرصد وتأثيرات الأحداث السياسية على الساحة، حيث تثير التوترات الراهنة المتعلقة بإيران قلقًا بشأن تأثيرها على استقرار الدول المجاورة ونشاط الجماعات الإرهابية، وفي هذا السياق، يشير المرصد إلى أن التصعيد السياسي بين إيران وبعض الدول العربية يعد عامل جذب للجماعات المسلحة، التي تستغل الخلافات السياسية لتعزيز خطابها الدعوي.
كما أظهرت البيانات أن الفضاء الإلكتروني شهد زيادة بنسبة 40% في الخطاب الطائفي والتحريضي خلال العام الماضي، مع تراجع نشاط بعض الجماعات المسلحة في السنوات الأخيرة، وقد لوحظ أيضًا ارتفاع عدد المنشورات الداعمة للعنف من 12000 إلى 18500 منشور شهريًا، مما يشير إلى إمكانية انتعاش خلايا نائمة في مناطق الحدود مثل العراق وسوريا واليمن.
علاوة على ذلك، يتناول المرصد قضايا الطارئة مثل صعود اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا من خلال ثلاثة محاور رئيسية، حيث يركز المحور الأول على رصد القضية عبر جمع وتحليل البيانات من مصادر متنوعة، بينما يستعرض المحور الثاني أسباب القضية من خلال تحليل العوامل الاجتماعية والسياسية المؤثرة، ويختتم المحور الثالث بتقديم محتوى توعوي شامل يراعي خلفية المتلقي.
فيما يتعلق بمنهجية رصد الخطاب المتطرف، يعمل بالمرصد نحو 100 باحث من خريجي أقسام اللغات الأجنبية، حيث تتم أعمال الرصد وفق خمس مراحل دقيقة تشمل الرصد اليومي، تحليل الأخبار، إعداد التقارير الدورية، نشاط الترجمة، وكتابة القضايا التحليلية المجمعة، مما يعكس التزام المرصد بنهج مؤسسي ومنظم في مواجهة الفكر المتطرف.
كما يسعى المرصد لمواجهة المحتوى المتطرف على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال استخدام تقنيات حديثة للرصد والمراقبة، وتحليل أساليب التجنيد الرقمي، بالإضافة إلى إنتاج محتوى مرئي يتناول موضوعات فكرية متنوعة بلغة تناسب الشباب، ويعمل على إطلاق منصة جديدة تتيح التفاعل المباشر وإلقاء المحاضرات.
في سياق التحولات التي شهدها خطاب الجماعات المتطرفة بعد انهيار تنظيم داعش، يبرز المرصد اعتماد هذه الجماعات على استراتيجيات جديدة مثل “الذئاب المنفردة” ونقل المعركة إلى الفضاء الرقمي، مما يتطلب من المرصد جهودًا مضاعفة في مواجهة هذه التحديات.
تسعى المرأة الأزهرية أيضًا لتكون جزءًا من جهود مكافحة الفكر المتطرف، حيث تلعب دورًا مهمًا في تصحيح المفاهيم وتعزيز الوعي التربوي داخل الأسرة، مما يعكس أهمية دورها في دعم الأمن الفكري والمجتمعي.
تتضمن أولويات المرصد في المرحلة القادمة تطوير آليات الرصد وتنفيذ مبادرات جديدة تستهدف قضايا مثل التطرف البيئي، مع العمل على بناء شراكات استراتيجية لمواجهة التطرف، مما يعكس التزام المرصد بتعزيز الأمن الفكري والاجتماعي على مستوى المجتمع ككل.

