ألقى الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، درس التراويح في الجامع الأزهر اليوم الإثنين، في الليلة السادسة من شهر رمضان لعام 1447هـ حيث أكد أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع تشريعًا إلا وكان فيه رحمة، وأنه جعل مع كل تكليف أثرًا من آثار رحمته، مما يستدعي من المؤمن استحضار رحمة الله في كل أوامر الشريعة.

كما أوضح فضيلته أن ما يُفتتح به المصحف هو قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ حيث جعل الله الرحمة عنوان كتابه، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، مما يدل على أن ملكه جل جلاله هو ملك رحمة، وأن رحمته سابقة على غضبه، حاضرة في كل تشريع من تشريعاته

وبيَّن أن من أعظم مظاهر الرحمة في التشريع ما يتعلق بفرض الصلاة، إذ فُرضت خمسين صلاة ثم خففها الله إلى خمس، فصارت خمسًا في العدد وخمسين في الأجر والثواب، وهذا التخفيف هو شاهد على رحمة الله بعباده، كما أن فريضة الصيام تجلٍ من تجليات الرحمة، إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ولو وقف النص عند هذا الحد لكان الصيام ممتدًا طوال العام، ولكن رحمة الله اقتضت التخفيف بقوله سبحانه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾

وأشار فضيلته إلى أن التعبير بـ«أيامًا معدودات» يدل على القلة وهو من صيغ جمع القلة في العربية، مما يفيد التيسير، ثم جاء التحديد الإلهي بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، حيث حُددت الأيام بشهر معلوم لا يزيد ولا ينقص، وربط النبي ﷺ هذا الشهر برؤية الهلال في قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ليكون ارتباط الأمة بأوقاتها ارتباطًا منضبطًا قائمًا على العلامات الشرعية

وأوضح أ.د. سلامة داود أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يبرز جانبًا عظيمًا من مقاصد الشريعة، إذ جعل الحج هو الموعد الذي تجتمع فيه الأمة في زمان واحد ومكان واحد، ورغم اختلاف البلدان في بدايات الشهور، فإن الأمة تجتمع في هلال الحج، لأنه مؤتمرها العالمي الجامع، وهو شعيرة تقوم على وحدة الصف ووحدة الكلمة

وبيَّن فضيلته أن في القرآن سورة باسم «الحج» لما تمثله هذه الشعيرة من اجتماع المسلمين، كما أن هناك سورة باسم «الجمعة» لاجتماع المؤمنين فيها، وأن النبي ﷺ أشار إلى اجتماع الملائكة في صلاتي الفجر والعصر بقوله: «يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار في صلاتي الفجر والعصر»، مما يدل على أن الشريعة ترعى معنى الاجتماع والوحدة في عباداتها ومواقيتها

واختتم رئيس جامعة الأزهر درس التراويح بالدعاء أن يتقبل الله من الجميع الصيام والقيام، وأن يرزق الأمة وحدة الصف ووحدة الكلمة، وأن يجمعها على ما فيه صلاح دينها ودنياها، مؤكدًا أن الرحمة والوحدة من أبرز مقاصد التشريع الإسلامي، وأن استحضارهما يعين على فهم روح الشريعة وعمق مقاصدها.