في الثامن والعشرين من فبراير لعام 1958، توفي الشيخ محمد الخضر حسين، الذي يُعتبر شخصية فقهية ونضالية بارزة، حيث يُسجل التاريخ اسمه كأول عالم من أصول جزائرية يتولى منصب شيخ الجامع الأزهر بعد ثورة يوليو، وقد كانت مسيرته مليئة بالإنجازات التي تعكس التزامه بقضايا الأمة الإسلامية وتعزيز هويتها.
بدأت رحلة الشيخ الخضر حسين في تونس عام 1876، حيث درس في جامع الزيتونة على يد كبار المشايخ حتى نال شهادة العالمية، ومن ثم انطلقت مقاومته للاحتلال الفرنسي، مستخدمًا شعره وقلمه في مجلته “السعادة العظمى” للتنديد بالمستعمر، مما أدى إلى ملاحقته قضائيًا وحكم عليه بالإعدام غيابيًا، ليقرر بعدها الانتقال إلى مصر التي احتضنته ومنحته جنسيتها، مما جعله واحدًا من أبرز علمائها وصحفييها في مجلة الأزهر وجامعتها.
حارس العقيدة في مواجهة طه حسين وعلي عبد الرازق أكدت دار الإفتاء أن الشيخ الخضر حسين كان مدافعًا عن الهوية الإسلامية، حيث لم يقتصر عمله كمصحح بدار الكتب المصرية على الجانب الأكاديمي فحسب، بل أسس جمعية الهداية الإسلامية وجمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا، وتصدر المشهد الفكري من خلال هجومه الشهير على الشيخ علي عبد الرازق وكتابه “الإسلام وأصول الحكم”، كما قام بفند آراء الدكتور طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي”، متهمًا إياه بالاستناد إلى آراء المستشرقين، مما أهله لاحقًا للحصول على عضوية هيئة كبار العلماء ورئاسة تحرير مجلة الأزهر
وأضافت دار الإفتاء أن تكليفه بالمنصب جاء عقب ثورة يوليو كخبر غير متوقع، حيث أوفد مجلس قيادة الثورة كلاً من فتحي رضوان والشيخ الباقوري لإبلاغه باختيار اللواء محمد نجيب له شيخًا للأزهر، ورغم أهمية هذا المنصب، لم يستمر فيه سوى عامين، حيث سجل موقفًا تاريخيًا حين استدعاه محمد نجيب، فقال لرسوله: “قل لسيادة الرئيس إن شيخ الأزهر لا ينتقل للحاكم”، ليكتب بعدها استقالته مؤكدًا استقلالية المؤسسة الدينية
فلسفة الصيام مدرسة لإصلاح النفوس لا تعذيبها أوضحت مقالات الشيخ الخضر حسين التي كتبها في مجلة الأزهر بمناسبة شهر رمضان، أن هذا الشهر يُعتبر منار الهداية الذي يملأ العقول حكمة والقلوب طهارة، مشيرًا إلى أنه يجمع بين مزيتين، كون زمن نزول القرآن ومظهر الفتح الأعظم في مكة الذي أدى إلى الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا، واعتبر الشيخ أن حكمة الله اقتضت تمييز هذا الشهر بعبادة الصوم ذات الحكم السامية والثواب الجزيل
واستمر الشيخ في توضيح مقاصد الشريعة، مؤكدًا أن الصيام فريضة تهدف إلى “إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق” وليس تعذيبها بالجوع والعطش، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”، ليوضح أن القبول المشروط مرتبط باجتناب الآثام، كما ركز على أهمية التكافل الاجتماعي، داعيًا إلى بسط اليد بالمعروف والاقتداء بجود النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون في رمضان، حتى يجد الفقراء راحة بال تعينهم على عبادة الصوم، مؤكدًا أن الإنفاق في هذا الشهر له فضل يفوق بقية شهور العام

