تشهد ساحات الجامع الأزهر الشريف إقبالاً كثيفاً من الطلاب الوافدين الذين يجتمعون للمشاركة في إفطار جماعي يعكس قيم الأخوّة والوحدة الإسلامية مما يجسد هذا الحدث لحظة تواصل إنساني يتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية ويعبر عن روح التعاون والمحبة بين الطلاب القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وجوه متنوعة في لحظة واحدة
تتواجد في المشهد وجوه سمراء وبيضاء وآسيوية وأفريقية وأوروبية يرتدون عمائم بألوان مختلفة وتحمل ملامحهم قصص بلدان بعيدة ومع اقتراب أذان المغرب يخف الهمس في صحن الجامع الأزهر وتعلو آيات القرآن الكريم بينما يمتد طابور طويل من الطلاب يجلسون على الأرض في مشهد إنساني يجمعهم رغم اختلافاتهم.
في هذه اللحظة لا يسأل أحد عن جنسيته أو لونه أو لهجته فالجميع ينتظر إشارة البدء للإفطار على مائدة عالمية ينظمها بيت الزكاة والصدقات مما يحول ساحة الأزهر إلى لوحة تعبر عن معنى الأخوّة في الإسلام.
طلاب من أكثر من 100 دولة
من نيجيريا إلى إندونيسيا ومن كازاخستان إلى البوسنة يجلس طلاب العلم جنبًا إلى جنب بعضهم جاء إلى مصر قبل سنوات ليحفظ القرآن ويتخصص في علوم الشريعة وآخرون لا يزالون في عامهم الأول يحملون دهشة المكان وقداسته.
وعى جانب المشهد شاب آسيوي يغمض عينيه ممسكًا بمصحفه قبل الإفطار بلحظات وآخر يتابع آيات عبر هاتفه المحمول بينما ينشغل ثالث بترتيب زجاجات المياه ووجبات التمر أمامه.
تفاصيل صغيرة تكشف عن حالة صفاء نادرة حيث يستعد الطلاب روحياً قبل أن يكون انتظارهم لطعام.
مع اقتراب المغرب يخيم سكون خاص على المكان تتشابك أصابع بعض الطلاب بالدعاء ويُسمع همس بلغات متعددة لكن مضمونها واحد رجاء القبول وتمام الصيام.
لا توجد مقاعد فخمة أو موائد مرتفعة بل صفوف متراصة على الأرض وأكياس بسيطة تحتوي على وجبات الإفطار وزجاجات ماء مصطفّة بعناية.
المشهد يمثل درساً عملياً في المساواة حيث يجلس الطالب القادم من قرية إفريقية صغيرة بجوار زميله القادم من عاصمة أوروبية دون فوارق أو حواجز.
بيت الزكاة.. يد ترعى وقلوب تجتمع
منذ سنوات يتولى بيت الزكاة والصدقات تنظيم موائد الإفطار الجماعي للطلاب الوافدين في الجامع الأزهر في مشهد يومي يتكرر طوال شهر رمضان لكنه لا يفقد بريقه.
تُعدّ مئات الوجبات يومياً وتوزع قبل المغرب بوقت كافٍ ويشارك في التنظيم متطوعون وموظفون يعملون في صمت.
الهدف ليس فقط إطعام صائم بل صناعة حالة إنسانية جامعة يشعر فيها الطالب الغريب أن له أهلًا في هذا البلد.
الأزهر.. وطن ثانٍ
بالنسبة لكثير من هؤلاء الطلاب لم يعد الأزهر مجرد مؤسسة تعليمية بل وطنًا ثانيًا حيث تتضاعف هذه المشاعر في رمضان فالإفطار الجماعي يعوض غياب الأسرة ويمنح دفئًا يعادل دفء البيوت البعيدة.
أحد الطلاب الأفارقة يقول مبتسمًا بعد الإفطار نحن من بلاد مختلفة لكن هنا نشعر أننا أسرة واحدة حين نرفع أيدينا بالدعاء في اللحظة نفسها ننسى المسافات.
مائدة تتجاوز الطعام
ليست القضية في التمر أو الماء أو وجبة الأرز بل في المعنى الكامن خلفها فالمائدة هنا رمز لوحدةٍ تتجدد كل مساء ولرسالةٍ يحملها الأزهر منذ أكثر من ألف عام جمع المختلفين تحت سقف العلم والرحمة.
في رحاب الجامع الأزهر تتجسد صورة مصغّرة للعالم الإسلامي عالم متعدد الثقافات لكنه موحّد القبلة ومع كل أذان مغرب تتجدد الحكاية مائدة عالمية وقلوبٌ تجتمع على ضوء القرآن.

