تستعد مكتبة الأزهر الجديدة، الواقعة شرقي العاصمة المصرية القاهرة، للكشف عن محتوياتها الغنية التي تعكس تاريخًا طويلًا من المعرفة الإسلامية، حيث يأتي هذا الكشف في إطار تحول هيكلي مهم بعد أن أصبحت المكتبة “شخصًا اعتباريًا عامًا” بموجب قانون جديد يتبع رئيس الجمهورية، مما يسهم في تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز خزائن المعرفة في العالم الإسلامي.

يمثل هذا التحول امتدادًا لتاريخ المكتبة الذي بدأ في العصر الفاطمي، حيث نشأت “الكتبخانة الأزهرية” في أروقة الجامع الأزهر، وتراكمت عبر القرون المخطوطات والذخائر العلمية التي تشكل جزءًا من الذاكرة الدينية والفكرية لمصر والعالم الإسلامي.

حصلت الجزيرة نت على المعلومات المتعلقة بالفيلم التسجيلي الخاص بافتتاح المكتبة، والذي يقدم وصفًا تفصيليًا لمحتويات المكتبة وتصميمها، بالإضافة إلى عدد المخطوطات والمجلدات التاريخية، كما يتناول تاريخ المكتبة والدور الجديد المنوط بها، مع عرض مقتنياتها التراثية.

وفقًا لقانون هيكل المكتبة، يتكون الهيكل الإداري من مجلس الأمناء برئاسة رئيس الجمهورية، ونائبه شيخ الأزهر، ويضم بين 15 و30 عضوًا من الشخصيات البارزة لمدة أربع سنوات، كما يضم مجلس الإدارة الذي يرأسه شيخ الأزهر، ويشتمل على 15 إلى 21 عضوًا، بينهم 10 علماء من الأزهر الشريف.

تحتوي المكتبة أيضًا على مراكز متخصصة لتوثيق التراث، وتحقيق المخطوطات، والترميم، ودراسات الخطوط، بالإضافة إلى متحف للمخطوطات ومجلة علمية محكمة.

بدأت فكرة المكتبة في الدولة الفاطمية بمصر، حيث انتشرت عبر ستة مواقع داخل الجامع الأزهر، وتطورت عبر الزمن لتصبح كما يلي:

– الكتبخانة الأزهرية (1896): أنشئت رسميًا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، مع تخصيص أروقة لتجميع الكتب والمخطوطات
– مكتبة الأزهر بالدراسة (1994): تم بناء مبنى جديد مكون من 14 طابقًا في حديقة الخالدين بالدراسة، لتلبية احتياجات التعليم والبحث العلمي
– المكتبة الجديدة (2014-2024): مبنى حديث بمدينة البعوث الإسلامية، يمتد على مساحة 14 ألف متر مربع، ويتكون من 6 طوابق، ويحتوي على قاعات للمخطوطات والكتب المطبوعة والخرائط والرسائل الجامعية، بالإضافة إلى قاعات بحثية مجهزة بأحدث التقنيات

تحتوي المكتبة على مقتنيات نادرة تشمل 500 ألف كتاب، وحوالي 50 ألف مخطوط، منها 4 آلاف مخطوط نادر يصل عمرها إلى ألف عام، و970 مصحفًا مخطوطًا من عصور مختلفة، بما في ذلك المصحف السفيني بالخط الكوفي من القرن الرابع الهجري، بالإضافة إلى 142 خريطة نادرة.

بينما يطرح القانون الجديد في إطار تنظيمي يهدف إلى تعزيز الحوكمة ومنح المكتبة شخصية اعتبارية مستقلة، تبرز تساؤلات حول ما الذي ستضيفه هذه النقلة إلى مكانة المكتبة ودورها العلمي.

في هذا السياق، يشير أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة الأزهر، عبد الحليم منصور، إلى أن مكتبة الأزهر تمثل ركيزة من ركائز الهوية العلمية الإسلامية، وأن تبعيتها لرئاسة الجمهورية قد تمنحها قوة دعم مؤسسي، لكن نجاحها يعتمد على صيانة استقلالها العلمي الأزهري.

كما شدد منصور على ضرورة رقمنة المكتبة كاستراتيجية، وأن تفعيل دورها البحثي يمكن أن يجعلها مركزًا عالميًا لدراسة التراث، وقد حدد ثلاثة أبعاد رئيسة لنهضة المكتبة:

– البعد الحافظ: ترميم المخطوطات وصيانتها وفق أحدث المعايير العلمية
– البعد البحثي: تيسير وصول الباحثين للمصادر وإطلاق مشروعات تحقيق مؤسسي
– البعد التجديدي: إعادة قراءة التراث بشكل واعٍ يسهم في تجديد الخطاب الديني دون قطيعة مع الأصول

من جهته، اعتبر أستاذ علم المكتبات والمعلومات بجامعة الأزهر، السعيد داود، أن مشروع القانون يمثل نقلة نوعية وامتدادًا طبيعيًا لتطور المكتبة عبر القرون، مشيرًا إلى أن التبعية الجديدة ستوفر دعمًا ماليًا وتقنيًا أكبر، مما يعزز مكانتها المؤسسية وطنياً ودولياً ككنز معرفي.

وصف الدكتور أحمد عبد الفتاح أبو هشيمة، عضو اتحاد المؤرخين العرب، القانون بأنه خطوة تاريخية تعكس إدراكًا رسميًا للقيمة الحضارية للمكتبة، موضحًا أن الإدارة ستشهد تغييرات في آلياتها عبر مجلس إدارة يُشكل بقرار رئاسي، مع استحداث إدارات متخصصة للمخطوطات والخدمات الرقمية.

يرى أبو هشيمة أن التشريع يمنح المكتبة أدوات قانونية أكثر فاعلية لحماية مقتنياتها من التلف أو السرقة، ويوفر أطر حماية تتناسب مع قيمتها العالمية.

ومع هذا القانون الجديد، تقف مكتبة الأزهر عند مفترق طرق بين حماية التراث وتحديث الإدارة، حيث يوفر القانون دعمًا وإمكانات للحوكمة الرقمية، لكن يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الكنوز المخطوطة إلى معارف متاحة عالميًا، لتستعيد المكتبة دورها التاريخي كمركز إشعاع معرفي وجسر يربط بين تاريخ الأمة الإسلامية ومستقبلها المعرفي، مع مواكبة متطلبات العصر الرقمي.