واصل الجامع الأزهر جهوده في نشر الرسالة الدعوية والتوعوية من خلال ملتقى «رياض الصائمين»، حيث عُقد لقاء يوم الثلاثاء تحت عنوان «صلة الأرحام»، بمشاركة الشيخ أحمد عبد الجواد، الواعظ بمجمع البحوث الإسلامية، والدكتور أحمد رمضان سنجق، عضو هيئة التدريس بكلية الدعوة الإسلامية، وأداره الشيخ محمد بيومي، الباحث بالجامع الأزهر الشريف.
استهل الملتقى الدكتور أحمد رمضان سنجق، حيث أوضح أن ذوي الرحم هم الأقارب الذين يجمع بينهم نسب من جهة الأم أو الأب، مشيرًا إلى أن صلة الرحم ليست مجرد تواصل عابر، بل تعني الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، وذلك من خلال التعطف عليهم والرفق بهم والسؤال عن أحوالهم والقيام بحقوقهم، حتى وإن كان بينهم تقصير أو إساءة.
كما أكد أن من تجب صلتهم وجوبًا مؤكدًا هم أصحاب الرحم المحرمة، وهم الأفراد الذين لا يجوز بينهم التناكح، حيث إن صلتهم واجبة شرعًا ما داموا من أهل الاستقامة، إذ إن الشريعة شددت في حقهم وجعلت قطيعتهم من كبائر الذنوب.
وأضاف أن حق الرحم عظيم الشأن في الإسلام، حيث سُئل عبد الله بن مُحيريز عن حقها فقال، تُستقبل إذا أقبلت، وتُتبع إذا أدبرت، مما يدل على أهمية المبادرة بالصلة وعدم مقابلة الجفاء بالجفاء.
وأكد أن الصلة الحقيقية تقوم على التغاضي عن الهفوات، والعفو عن الزلات، وإقالة العثرات، طلبًا للمودة والإخاء، مما يحافظ على صفاء القلوب من الضغائن والأحقاد.
واستشهد بقصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته، حيث واجه إساءتهم بعفو كريم، فقال، ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، مؤكدًا أن العفو عند المقدرة من شيم المحسنين، وأن ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا ورفعةً في الدنيا والآخرة.
ومن جانبه، أكد الشيخ أحمد عبد الجواد أن صلة الأرحام تعد من أعظم صفات الصالحين، حيث تخلق بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وزادها بعد الرسالة تعظيمًا وتشريفًا، وهي من أزكى الأخلاق التي تساهم في طول العمر وبارك بها الأرزاق، وتمتلئ بها الحياة سعادة وهناء.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم، «تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر»، مبينًا أن هذه الصفة رفعة في الدنيا ومنقبة في الآخرة.
كما أشار إلى أن صلة الرحم علامة كمال الإيمان، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، موضحًا أن الله تعالى وعد واصل الرحم بصلته، كما في الحديث القدسي، «أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك»، ثم تلا قوله تعالى، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
وفي ختام حديثه، نبّه إلى خطورة القطيعة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم، «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وقوله أيضًا، «إن أعمال بني آدم تُعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يُقبل عمل قاطع رحم»، مؤكدًا أن صلة الرحم من أعظم أسباب دخول الجنة والوقاية من النار، وأنها من أفضل الصدقات إذا كانت على ذي رحم، لقوله صلى الله عليه وسلم، «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة»، مشددًا على أن صلة الأرحام ليست مجرد عادة اجتماعية، بل عبادة جليلة تحفظ تماسك المجتمع وتشيع روح الرحمة والمودة بين أفراده، ليظل المجتمع متراحمًا متماسكًا في ظل هدي القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويأتي ملتقى «رياض الصائمين» في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية، والملتقيات الفكرية، والبرامج التربوية، التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال وخدمة المجتمع.

