تسعى وزارة التربية والتعليم إلى معالجة التحديات التي ظهرت مؤخرًا في امتحانات الشهادة الإعدادية، حيث عادت هذه الامتحانات لتكون في بؤرة الاهتمام بعد الأزمات التي شهدتها بعض المحافظات، مثل محافظة قنا التي واجهت مشكلة في امتحان الهندسة ومحافظة المنوفية التي تلقت شكاوى من صعوبة امتحان اللغة العربية، مما أثار تساؤلات حول آليات إعداد هذه الامتحانات وكفاءة القائمين عليها ومدى تحقيق العدالة التعليمية للطلاب.
أخطاء امتحانات الشهادة الإعدادية تفجر مفاجأة
في محافظة قنا، تأخر انطلاق امتحان مادة الهندسة لطلاب الشهادة الإعدادية لأكثر من ساعتين، مما أثار جدلًا واسعًا حول السبب وراء هذا التأخير، حيث أوضحت مصادر تعليمية أن خطأ جسيمًا في ورقة الامتحان هو ما أدى إلى هذه الأزمة، مما استدعى سحب الأوراق وإعادة طباعتها، مما جعل الطلاب ينتظرون داخل اللجان لفترات تراوحت بين ساعتين وثلاث ساعات، في أجواء من القلق والتوتر، خاصة أن جدول اليوم تضمن أيضًا امتحان مادة التربية الفنية لمدة ساعتين.
تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين
على خلفية هذه الواقعة، بدأت مديرية التربية والتعليم بمحافظة قنا تحقيقًا عاجلًا للوقوف على أسباب الخطأ الذي حدث خلال إعداد وطباعة الامتحان، وتحديد المسؤوليات بدقة، حيث أكدت المصادر أن الجهات المختصة شددت على محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره أو إهماله، حرصًا على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص وعدم الإضرار بمصلحة الطلاب.
كما أشارت إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية مشددة خلال الفترة المقبلة لضمان عدم تكرار مثل هذه الأخطاء، وانتظام سير الامتحانات داخل جميع لجان المحافظة.
المنوفية سبقت.. قنا ليست وحدها
قبل واقعة قنا، شهدت محافظة المنوفية حالة من الجدل أيضًا، حيث تلقت غرفة عمليات مديرية التربية والتعليم شكاوى من أولياء الأمور بشأن صعوبة امتحان مادة اللغة العربية، خاصة بعض أسئلة الاختيار من متعدد التي اعتبرها أولياء الأمور غير واضحة وتحمل أكثر من إجابة.
وعلى إثر ذلك، أعلن الدكتور محمد صلاح، وكيل وزارة التربية والتعليم بالمنوفية، عن فحص عينات من كراسات الإجابة، في إطار الحرص على تحقيق مصلحة الطلاب وضمان العدالة في التقدير، وأسفر الفحص عن الاتفاق على إلغاء درجات النقاط الخلافية في أسئلة الاختيار من متعدد، على أن يتم توزيع درجاتها على باقي الأسئلة، مراعاةً لمصلحة الطلاب وتحقيقًا لتكافؤ الفرص بينهم.
وأكدت المديرية أن هذا القرار يأتي انطلاقًا من حرصها الدائم على صالح الطلاب، وتقديرًا لحالة القلق التي صاحبت الامتحان.
خبراء يقترحون الحلول.. ويؤكدون وجود خلل جسيم بالمنظومة الامتحانية
وفي تعليقه على أخطاء الامتحانات، قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ القياس والتقييم التربوي بجامعة عين شمس، إن ما شهدته امتحانات الشهادة الإعدادية في بعض المحافظات لا يمكن اعتباره مجرد أخطاء فردية، بل يعكس خللًا هيكليًا في منظومة إعداد الامتحانات، حيث أوضح شوقي أن المعلم يُحرَم لسنوات طويلة من المشاركة الفعلية في وضع الامتحانات، ويقتصر دوره على نقل أسئلة من مصادر تحددها الوزارة، مما يمنعه من اكتساب الخبرة العملية اللازمة لصياغة الأسئلة وقياس نواتج التعلم بدقة.
وأضاف أن المشكلة تظهر بوضوح عند ترقية المعلم فجأة إلى موجه أو مستشار، حيث يُطلب منه إعداد امتحانات دقيقة وعادلة، دون أن يكون قد حصل على التدريب الكافي، خاصة مع تطبيق مناهج جديدة لم يتدرب عليها كثير من القائمين على العملية التعليمية.
إنشاء وحدة مركزية للامتحانات
ودعا الخبير التربوي إلى إنشاء وحدة مركزية للامتحانات داخل وزارة التربية والتعليم، تتبعها وحدات فرعية في المديريات والإدارات التعليمية، تتولى التدريب المنهجي للمعلمين والقائمين على وضع الامتحانات، على أسس بناء الاختبارات وصياغة الأسئلة وقياس نواتج التعلم، تحت إشراف أساتذة التقويم والمناهج بكليات التربية.
كما شدد على ضرورة عدم ترقية أي معلم إلى وظيفة يكون من ضمن مهامها وضع الامتحانات، إلا بعد اجتياز اختبارات متخصصة تقيس كفاءته في إعداد الاختبارات، بما يضمن جودة الامتحانات وعدالتها.
تدريب المعلمين وتأهيلهم قبل وضع الأسئلة
من جانبه، أكد الدكتور محمد فتح الله، أستاذ التقويم والقياس بالمركز القومي للبحوث التربوية والتقييمات، أن إعداد الامتحان لا يقل دقة عن التعامل مع ميزان الذهب أو المواد الكيميائية الحساسة، حيث أوضح أن فروقًا بسيطة جدًا في صياغة الأسئلة أو توزيع الدرجات قد تصنع فارقًا كبيرًا في عدالة التقييم، مشددًا على أن الالتزام بالمعايير العلمية والتدخل الأكاديمي المتخصص يمثلان الأساس الحقيقي لبناء منظومة تقويم عادلة.
وأضاف أن التدريب الجيد لواضعي الامتحانات هو المدخل الرئيسي لضمان نجاح عملية التقييم بالكامل، وتقليل الأخطاء التي تؤثر سلبًا على نفسية الطلاب وثقة المجتمع في منظومة التعليم.
تلك الوقائع التي تتكرر مع كل امتحانات، طرحت تساؤلات متجددة حول آليات إعداد الامتحانات وتحديدًا الشهادة الإعدادية، ومدى جاهزية القائمين عليها، في وقت يؤكد فيه الخبراء أن الحل لا يكمن في القرارات العاجلة فقط، بل في بناء منظومة تدريب وتأهيل حقيقية تضمن امتحانات عادلة، وتحمي الطلاب من تبعات أخطاء لا يد لهم فيها.

