مع اقتراب موعد الإفطار كل يوم خلال شهر رمضان، يتوجه الكثير من الصائمين إلى صحن الجامع الأزهر، حيث يجتمع أناس من ثقافات وبلدان متنوعة في مشهد إنساني مميز يتميز بتلاقي مختلف اللغات والوجوه التي تعكس التعب الناتج عن الصيام والسفر، لكنهم جميعًا يتجمعون حول مائدة واحدة تنتظر أذان المغرب.

في هذه اللحظات، تتلاشى الفوارق بين الجنسيات والأوضاع الاجتماعية، ليصبح المكان رمزًا للتكافل والتعاون، حيث يعمل عشرات المتطوعين بصمت واهتمام لتقديم الإفطار اليومي، مما يجعل من هذه التجربة حكاية إنسانية تتجدد كل مساء داخل أروقة الأزهر الشريف.

صحن الجامع الأزهر

في تمام الساعة الثانية ظهرًا من كل يوم خلال شهر رمضان، يتحول صحن الجامع الأزهر الشريف إلى لوحة نابضة بالحياة، تُرسم تفاصيلها من خلال الجهد والعمل الجماعي وروح السلام، حيث يقوم هؤلاء المتطوعون بعمل دؤوب بين آلاف الوجبات والوجوه القادمة من شتى أنحاء العالم الإسلامي.

الطالب أحمد مواردى

وسط هذا المشهد، يظهر الشاب أحمد مواردى، الطالب الإندونيسي الذي يدرس بكلية اللغة العربية في جامعة الأزهر، حيث لا يكتفي أحمد بتلقي دروسه الأكاديمية، بل يختار أيضًا تطبيق ما تعلمه من قيم التسامح والتنظيم من خلال تطوعه في واحدة من أكبر موائد الإفطار في العالم الإسلامي.

لم يكن وجود أحمد وأصدقائه من اتحاد الطلبة الإندونيسيين مجرد صدفة، بل هو نتاج تنظيم دقيق وتجربة مستمرة منذ أربع سنوات، حيث يروي أحمد تفاصيل يومه قائلًا إنهم لا يأتون كأفراد بل كمنظومة عمل منظمة، حيث يتم اختيار المتطوعين عبر استمارات إلكترونية مع وضع معايير واضحة للقبول.

وعن كيفية التوفيق بين دراسته والتطوع، يوضح أحمد أنه يبدأ يومه بالدراسة في كلية اللغة العربية ثم بعد انتهاء المحاضرات، يتحول إلى دور المنظم، حيث يبدأ في تأمين البوابات وتنظيم دخول الصائمين إلى صحن الجامع، مع تقسيمهم إلى صفوف منظمة لضمان انسيابية الحركة.

أرقام مائدة الأزهر

تتجاوز أرقام مائدة الأزهر التوقعات، إذ يتم توزيع ما بين 7 إلى 10 آلاف وجبة يوميًا، لكن بالنسبة لأحمد، لا تمثل المائدة مجرد مكان لتقديم الطعام، بل يراها لوحة تعكس روح الوسطية والتسامح التي يتميز بها الأزهر الشريف.

يعبّر أحمد عن إعجابه بالأجواء في الأزهر، حيث يجد أن موائد الإفطار في بلده إندونيسيا غالبًا ما تكون محصورة في القرى، بينما في مصر، تُعتبر مائدة الرحمن ثقافة متجذرة، حيث يجتمع الطلاب من جنسيات مختلفة دون الشعور بالغربة.

كما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا مقطع فيديو يظهر أحمد وهو يقوم بجمع القمامة من صحن الجامع بعد انتهاء الإفطار، وعند سؤاله عن ذلك، أشار بتواضع إلى أهمية تنظيف المكان الذي يتعلم فيه ويخدم فيه ضيوف الله، مؤكدًا أن كل عمل نابع من حب هذا المكان.

وجه أحمد رسالة مؤثرة إلى أسرته في إندونيسيا، معبرًا عن شكره لهذه الفرصة العظيمة التي لا تتاح لجميع الطلاب، مؤكدًا أنه يسعى ليكون سفيرًا لبلاده في هذا المكان المبارك.

ومع اقتراب أذان المغرب، كان زميله محمود، القادم من إندونيسيا، يسرع في ترتيب المربعات الأخيرة داخل صحن الجامع، مما يعكس نموذجًا حيًا للشاب الوافد الذي لم يأتِ إلى مصر ليأخذ فقط من العلم، بل ليمنح أيضًا جزءًا من جهده ووقته وروحه.