تشير الأبحاث الحالية إلى أن تغير المناخ يظل موضوعًا محوريًا للعلماء الذين يسعون لتطوير أساليب دقيقة لقياس تأثيراته على مختلف جوانب الحياة اليومية، حيث تسهم هذه الجهود في تقليل الأضرار المحتملة الناتجة عن الظواهر الجوية المتطرفة التي تؤثر على الصحة والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

في هذا السياق، تمكن باحثون نمساويون من تطوير تقنية تعتمد على الحاسوب لقياس المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية، مما يعزز قدرة العلماء على تقدير حجم الأضرار التي تلحق بالنظم البيئية والإنسان نتيجة الطقس المتطرف، كما أن الآثار السلبية تشمل مجالات متعددة مثل الصحة والزراعة والطاقة.

تشير البيانات إلى أن درجات الحرارة التي تتجاوز 30 درجة مئوية قد تؤدي إلى إجهاد حراري يؤثر على لياقة الأفراد، وقد أظهرت الدراسات أن النشاط البشري ساهم في زيادة درجات الحرارة الشديدة بمعدل عشرة أضعاف في العقود الأخيرة وفقًا لتقديرات منصة الطاقة المتخصصة.

حل حسابي

طور الباحثون حلًا حسابيًا جديدًا لتحليل تأثير القطاعات كثيفة الانبعاثات على تفاقم آثار تغير المناخ، حيث أظهرت دراسة حديثة من جامعة غراتس النمساوية التأثيرات الناتجة عن تغير المناخ على الطقس المتطرف في أوروبا.

وابتكر الباحث غوتفرايد كيرشنغاست وفريقه البحثي طريقة جديدة لحساب المخاطر المرتبطة بالظروف الجوية المتطرفة مثل الموجات الحارة والفيضانات، ويتيح هذا الحل الرياضي للباحثين تحليل تكرار وشدة ومدى هذه الأحداث الجوية المتطرفة.

كما يمكّن هذا النموذج من تقييم مسؤولية الجهات المسببة للانبعاثات الكربونية عن زيادة الأضرار والمخاطر المناخية، وأشار كيرشنغاست إلى أهمية توفر بيانات مناخية طويلة الأمد لمتابعة تطور مقاييس المخاطر المناخية عبر الزمن في مختلف المناطق.

آثار فيضانات في أوروبا
آثار فيضانات في أوروبا – الصورة من رويترز

التغيرات المناخية في أوروبا

استعمل الباحثون طريقة مبتكرة لدراسة التغييرات في أحداث الطقس المتطرف في النمسا وأوروبا، معتمدين على بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية من عام 1961 إلى عام 2024.

حدد الباحثون مستوى التطرف في درجة الحرارة في كل موقع، والذي تجاوز القيم اليومية خلال الفترة من 1961 إلى 1990، عند 1%، حيث كان المستوى في النمسا 30 درجة مئوية، وفي جنوب إسبانيا تجاوز 35 درجة مئوية، بينما لامس 25 درجة مئوية في فنلندا.

أظهرت الدراسة المنشورة في دورية ويزر أند كليميت إكستريمز أن التطرف الإجمالي في درجات الحرارة في النمسا ومعظم المناطق في وسط وجنوب أوروبا قد زاد بنحو عشرة أضعاف في الفترة الحالية بين عام 2010 وعام 2024 مقارنة بالفترة من 1961 إلى 1990.

وفي هذا السياق، أشار غوتفرايد كيرشنغاست إلى أن هذه الزيادة الحادة في مقاييس التطرف تعكس تأثير تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري بوضوح لم يسبق له مثيل.

تكلفة الطقس المتطرف

عزا الباحثون آلاف الوفيات في أوروبا الصيف الماضي إلى الحرارة الشديدة، حيث ارتفعت درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في مناطق عديدة، مما أدى إلى موجات جفاف شديدة.

أظهرت دراسة من كلية إمبريال كوليدج لندن وكلية الصحة العامة والطب الموضعي أن تغير المناخ كان مسؤولًا عن 68% من حالات الوفاة الناجمة عن موجات الحرارة، والتي بلغت 24 ألفًا و400 حالة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 3.6 درجة مئوية.

في عام 2025، أدت ظروف الطقس الصيفي المتطرف إلى خسائر اقتصادية قصيرة الأجل بلغت قيمتها 43 مليار يورو، مع تكاليف إجمالية تصل إلى 126 مليار يورو بحلول عام 2029.

وجدت دراسة أخرى نُشرت في سبتمبر الماضي بقيادة الدكتورة سحرش عثمان في جامعة مانهايم بالتعاون مع خبراء من البنك المركزي الأوروبي أن موجات الحر والجفاف والفيضانات أثرت في ربع جميع مناطق الاتحاد الأوروبي خلال صيف عام 2025.

بلغت الخسائر المباشرة 0.26% من الناتج الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي في عام 2024، مع التأكيد على أن هذه التقديرات قد تكون مقيَّدة ولا تشمل التأثيرات المركبة لظروف الطقس المتطرفة.