تتجلى في سيرة “صحاب الأرض” أصداء حياة شعب غزة الذي يعيش تحت وطأة القهر، حيث يواجه العدوان بكل شجاعة، بينما تحمل “مصر” هموم الأرض وأصحابها في قلبها، مما يجعل العمل الفني تجسيدًا مؤثرًا للمعاناة والأمل في آن واحد، وهو ما سعى إليه كتّاب المسلسل “عمار صبري” و”محمد هشام عبية” تحت إدارة المخرج “بيتر ميمي” الذي أبدع في تقديم عمل يليق بعظمة المشهد الإنساني الذي يعكسه، سواء من الجانب الشرقي أو الغربي للمعبر.
استطاع “بيتر ميمي” أن يحقق نضجًا فنيًا ملحوظًا في هذا العمل، حيث يمكن اعتباره من أفضل ما قدمه حتى الآن، وقد نجح في رسم صورة واقعية مؤلمة تنقل حالة إنسانية معقدة في ظل ظروف غير إنسانية، حيث تمكن من استخلاص الجمال من مشاهد الحرب التي تعكس أقسى ما يمكن أن يمر به البشر.
أسهم في هذا النجاح إبداع مصمم الديكور “محمد أمين” الذي نقلنا إلى نسخة حية من المأساة، رغم تصوير المسلسل في مدينة الإنتاج الإعلامي، بالإضافة إلى العدسة الرشيقة لمدير التصوير “حسين عسر” التي ساهمت في إضفاء بعد بصري مميز.
تبدأ الشخصيات في مسلسل “صحاب الأرض” مع “إبراهيم”، العجوز الفلسطيني الذي يعاني من مرض الألزهايمر، حيث يفقد ذاكرته ولكنه لا ينسى أرضه، تظل جغرافيتها حاضرة في ذهنه رغم القنابل التي محيت معالمها، وقد جسد “كامل الباشا” هذه الشخصية بمهارة، معبرًا عن تمسكه بالقضية وتحدي النسيان.
ثم يأتي “ناصر”، الذي يجسد دوره “إياد نصار” في أداء يعتبر من الأفضل في مسيرته، فهو رجل فقد عائلته في قصف غادر ولكنه يواجه تحديات الحياة بحزم، حيث يسعى لإنقاذ طفل صغير من الموت بينما يعاني من قلق مستمر على بناته في الضفة بعد اعتقال إحداهن.
بينما قدمت “منة شلبي” شخصية الطبيبة المصرية “سلمى”، التي تمثل وجه المساعدات الإنسانية من مصر، حيث أظهرت أداءً حساسًا رغم التزامها بملامح جامدة تعكس الصدمة وخيبة الأمل، وهو أمر شائع بين العاملين في مجال الإنقاذ وسط الحروب.
أما “عصام السقا”، فقد قدم دور سائق الشاحنة المصري العالق في غزة، الذي يسعى للعودة بمزيد من المساعدات، ليعكس الشخصية المصرية بكل بساطتها وعفويتها وكرمها.
يعتبر “صحاب الأرض” وثيقة تاريخية تسجل قصص المعاناة الفلسطينية والمساندة المصرية، حيث يتجاوز العمل الشعارات المباشرة، ليحقق أثره السياسي والاجتماعي بشكل فني خالص، مما يجعله من الأعمال التي حققت نجاحًا ملحوظًا لم تشهده المسلسلات الوطنية منذ الجزء الأول من مسلسل “الاختيار”.

