تعتبر الدراما التلفزيونية في أرقى تجلياتها وسيلة فعالة لتوثيق الذاكرة الجمعية للشعوب، ومن هذا المنطلق يأتي مسلسل “صحاب الأرض” ليعكس صرخة فنية مميزة ونقطة تحول مهمة في تاريخ الدراما العربية المعاصرة، حيث يعكس العمل قيمة عميقة في سياق الإنتاج الإعلامي المصري.

تتجاوز القيمة الفنية والسياسية لهذا المسلسل حدود الترفيه المعتاد لتصبح وثيقة بصرية وحقوقية تؤرخ لمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة العربية، مسلطاً الضوء على ما تعرضت له غزة الأبية وشعبها الصامد من اعتداءات وحشية، مما يعكس جذور الصراع ومعاناة الإنسان الفلسطيني في مواجهة آلة القتل والتهجير.

تتجلى في “أصحاب الأرض” عبقرية صناعة الدراما المصرية وقدرتها الفائقة على قيادة الرأي العام العربي وتوجيه البوصلة نحو القضايا المصيرية، حيث أثبت العمل أن الريادة المصرية ليست مجرد إرث قديم بل هي قدرة متجددة على تطويع أدوات الفن لخدمة الحقيقة.

ما يثير الدهشة في هذا المسلسل هو تلك الصنعة العالية في التنفيذ التقني والمكاني، حيث يجد المشاهد نفسه غارقاً في أزقة غزة وشوارعها وبيوتها المكلومة، مما يجعل الكاميرا وكأنها جابت حواري القطاع الحقيقية، بينما الحقيقة الفنية المذهلة هي أن العمل صُور بالكامل داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر، مما يبرز مهارة مهندسي الديكور ومنفذي المواقع الذين شيدوا صروحاً تحاكي الواقع بدقة متناهية، من آثار القصف إلى تفاصيل البيوت العتيقة، مما أعطى للعمل مصداقية بصرية هزت مشاعر المشاهدين وجعلتهم يعيشون مأساة “صحاب الأرض” لحظة بلحظة.

وعلى صعيد الأداء التمثيلي، قدمت النجمة منة شلبي واحداً من أصعب وأرقى أدوارها، حيث تخلت عن كل أدوات النجومية التقليدية لتذوب في ملامح المرأة الفلسطينية الصابرة والمقاومة، فقد استطاعت منة شلبي بعينيها اللتين تعكسان مزيجاً من الانكسار والإباء، أن تنقل للعالم صوت الأمهات والزوجات اللواتي يودعن فلذات أكبادهن كل يوم، بينما تألق الفنان الأردني إياد نصار الذي أثبت مرة أخرى أنه فنان المهمات الصعبة، حيث قدم أداءً متزناً وعميقاً يلامس الوجدان، معبراً عن صراع الإنسان بين غريزة البقاء وواجب التضحية.

ولا يكتمل مثلث الإبداع التمثيلي دون الإشارة إلى الحضور الطاغي للممثل الفلسطيني القدير كامل الباشا، الذي منح العمل صبغة الواقعية المطلقة، حيث كان وجوده تجسيداً للتاريخ الحي والذاكرة التي لا تشيخ، وقد قدم دوراً محورياً عكس من خلاله ثبات صاحب الأرض في وجه الريح.

أما المايسترو الذي أدار هذه الملحمة فهو المخرج القدير بيتر ميمي، الذي أكد عبر رؤيته الإبداعية أنه يمتلك أدوات “السينما التلفزيونية” بمواصفات عالمية، حيث استطاع بيتر ميمي أن يوازن بين المشاهد القتالية والتفجيرات التي نفذت بحرفية هوليوودية، وبين المشاهد الإنسانية الصامتة التي تخاطب الروح، وقد نجح في صياغة كادرات بصرية تفيض بالرموز، محولاً صراخ الضحايا إلى نشيد للمقاومة، ومستخدماً الإضاءة والزوايا ليبرز التناقض بين عتمة الحصار ونور الإيمان بالقضية.

وفي الإطار التقني، لا بد من التوقف أمام الجهد السخي المبذول على صعيد أعمال الجرافيكس والمؤثرات البصرية حيث الثنائي المتميز محمد كنطاوي وأحمد شحاته، وكلاهما يحلق في فضاءات احترافية عالمية بعيدة المنال، وفي خط متوازي هناك الموسيقى التصويرية الرائعة التي صاغها الموسيقار أمين أبو حافة، حيث خلق توليفة موسيقية تظل حارة كما النبض، حيث الألم والوجع والقهر والعزيمة، مفردات تتحول إلى لغة موسيقية.

أما عن مضامين المسلسل، فقد أثار “صحاب الأرض” جدلاً واسعاً منذ حلقاته الأولى، نظراً لجرأته في كشف زيف الروايات المعادية واستعراضه لأحداث واقعية مؤلمة، مثل استهداف المستشفيات والمدارس وحكايات العائلات التي شطبت من السجل المدني، حيث لم يكتفِ المسلسل بعرض الجانب المأساوي، بل ركز على فكرة “الأرض كعقيدة”، وكيف يتحول الحجر في يد الطفل إلى سلاح، وكيف تظل مفاتيح البيوت القديمة تورث من جد إلى حفيد كعهد لا يقبل القسمة.

إن “صحاب الأرض” هو انتصار للصناعة المصرية وللضمير العربي، وهو تذكير بأن الدراما حين تمتلك القضية والرؤية، تتحول إلى سلاح أمضى من الرصاص، حيث نجح فريق العمل في تقديم ملحمة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال، مؤكدين أن غزة، وإن حوصرت جغرافياً، فإنها تسكن في قلب كل مبدع آمن بحق الإنسان في العيش بكرامة فوق ترابه الوطني.