في زخم الموسم الدرامي الحالي، تبرز أعمال قادرة على اقتحام أعماق المجتمع، متجاوزة السطح إلى عمق التجربة الإنسانية، حيث تتجلى قوة الدراما في قدرتها على استكشاف تفاصيل نفسية واجتماعية معقدة، ومن بين تلك الأعمال التي تستحق التوقف عندها أربعة مسلسلات هي “مناعة” و”فن الحرب” و”عين سحرية” و”كان ياما كان”.

في “مناعة”، يعود المشاهد إلى حي الباطنية، ليس كخلفية تقليدية بل كعالم اجتماعي متكامل، حيث تتبع القصة شخصية “غرام”، التي تجسدها هند صبري، في رحلة صعودها داخل عالم تجارة المخدرات خلال ثمانينيات القرن الماضي، معتمدًا على بناء درامي متماسك يكشف التحولات النفسية والاجتماعية، وقد جاء الإخراج ليعكس شبه الواقع، مما جعل تلك الحقبة حاضرة بروحها، بعيدًا عن الكليشيهات.

أما “فن الحرب”، الذي يتألق فيه يوسف الشريف بتأليف عمرو سمير عاطف، فيقدم حبكة درامية متصاعدة تتناول عالم النصب والفساد في مجال الأعمال، حيث يتم بناء شبكة معقدة من الصراعات والمصالح، ويظهر يوسف الشريف بشكل مختلف، أكثر خفة ومرونة، مدعومًا بحضور لافت من محمد جمعة وإسلام إبراهيم ودنيا سامي وشيري عادل، مما أضفى على العمل طابعًا جماعيًا متوازنًا.

وفي “عين سحرية”، يتألق عصام عمر وباسم سمرة تحت إشراف هشام هلال وإخراج السدير مسعود، حيث تتجلى الدراما في إيقاع سريع وحبكات متلاحقة، مع بناء واضح للفكرة والشخصيات، مما يجعل المشاهد في حالة ترقب دائم، مع تكامل ملحوظ بين العناصر الفنية والتقنية، ما يمنح العمل عمقًا وإثارة دون ارتباك.

أما “كان ياما كان”، تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل، فيتناول تأثير الخلافات الأسرية على الأطفال، مسلطًا الضوء على العلاقات الإنسانية المعقدة، ومفاهيم العدالة والمسؤولية الأبوية، حيث يقدم العمل معالجة نفسية دقيقة لشخصيات مأزومة، ويبرز أداء ماجد الكدواني، الذي يجسد شخصية الأب الممزق بين مشاعره ومسؤولياته، مما يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا يجعلها قريبة من المتلقي.

تتشارك هذه الأعمال في قدرتها على الغوص في أعماق الشخصيات والصراعات، مما يحولها من مجرد حكايات إلى تجارب شعورية حية، وفي هذا السياق، يمكن اعتبار دراما رمضان امتدادًا لموروث الكتابة الدرامية منذ المسرح اليوناني، حيث تستمر المسلسلات اليوم في تقديم شخصيات معقدة وصراعات تنبثق من المجتمع، مما يجعل “مناعة” و”فن الحرب” و”عين سحرية” و”كان ياما كان” تجارب مؤثرة للمشاهد، تعكس تاريخًا حيًا وتلمس وجدان الجمهور.