انتهى شهر رمضان مع مجموعة من الأعمال الدرامية التي تجاوزت الثلاثين، متوزعة بين مواضيع متنوعة وأشكال فنية متعددة، حيث تمثلت تلك الأعمال في مسلسلات سعت إلى الارتقاء بالعناصر الفنية مثل الصورة والتمثيل والديكور والملابس مما يعكس تطورًا ملحوظًا في الصناعة الدرامية.

من أبرز هذه الأعمال مسلسل “النص الثاني” الذي تدور أحداثه خلال فترة الحرب العالمية الثانية والاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث يتناول الصراع بين الألمان والإنجليز من جهة والمقاومة الشعبية من جهة أخرى، وسط حالة من الفوضى السياسية، وقد قدم المسلسل أجواء مبهرة تعكس تلك الفترة الزمنية المضطربة من خلال ديكورات وملابس تعكس مهارة فنيين يمتلكون موهبة وصنعة عالية، مما يفتح الباب لمزيد من الأعمال التاريخية التي يتجنبها المنتجون بسبب صعوبة تحقيق تفاصيلها على أرض الواقع.

تكرر السؤال حول الأعمال المستندة إلى قصص واقعية ومدى أهمية إعادة إنتاجها في الوقت الحالي، وما جدوى تأثير هذه القصص على المجتمع، لماذا نختار تقديم أعمال مقتبسة من الواقع.

أربعة أعمال درامية استلهمت أحداثها من قضايا تاريخية قريبة ومعاصرة، من بينها مسلسل “صحاب الأرض” الذي تخطى كونه عملًا مصريًا ليصبح عملًا قوميًّا يوثق جزءًا من حياة أهل غزة بعد الدمار الذي لحق بالقطاع، حيث يقدم المسلسل تفاصيل دقيقة تعكس واقعًا عاشه الجمهور في القطاع، ويستند إلى آراء وردود أفعالهم التي تؤكد أن ما تم تقديمه هو تجسيد لواقعهم دون تجميل أو مبالغة، مما يمنحهم الحق في أن يرى العالم الجانب الآخر من الواقع المغيّب في نشرات الأخبار.

من التاريخ المعاصر، تأتي قصة مسلسل “رأس الأفعى” الذي ينتمي إلى الدراما التوثيقية في إطار سلسلة مسلسل “الاختيار”، حيث يتناول العمليات الإرهابية التي وقعت في مصر بعد 30 يونيو وتفاصيل القبض على الإخواني محمود عزت المعروف بلقب “رأس الأفعى”.

رغم أن هذا التاريخ قريب بتفاصيله، إلا أنه يعتبر مجهولًا بالنسبة للأجيال الجديدة دون العشرين من عمرهم، الذين نشأوا قبل ثورة يناير وأصبحوا الآن في مرحلة المراهقة، حيث عاصروا تلك الفترة في طفولتهم دون إدراك تفاصيلها، لذا فإن لهم الحق في التعرف على ما حدث في التاريخ القريب الذي لا يزال أثره واضحًا على مستقبلهم.

مسلسل “مناعة” الذي عرض خلال النصف الأول من رمضان يعود أيضًا إلى شخصية عاشت خلال فترة الثمانينات، وهي واحدة من أشهر تجار المخدرات في حي الباطنية وسط القاهرة، حيث انتهى بها المطاف في السجن، وقد قدمها المسلسل كنموذج لوسط اجتماعي يعج بكل أنواع الجرائم، فالنشأة والتربية وسط مجتمع فاسد تؤدي إلى إنتاج شخصية لا ترى في الجريمة إثمًا أو عارًا، بل إرثًا اجتماعيًا ووسيلة للبقاء في محيط لا تعرف غيره، وقد حاول المسلسل وضع الشخصيات التي نشأت معًا في نفس المكان داخل اختيار إنساني وشخصي يتجاوز الفطرة التي يولد بها كل مذنب، ليبرز مسؤولية المجتمع والحياة التي ترفضها.

أما العمل الأخير والأصعب والأهم، فهو مسلسل “حكاية نرجس”، الذي يتناول قضية معاصرة ويجمع بين الصورة والمضمون بشكل متكامل، مما يجعله في مقدمة الأعمال الدرامية التي عرضت خلال رمضان، حيث يعزز المسلسل فكرة إعادة النظر في الجريمة من منظور نفسي واجتماعي، وليس من منظور قضائي أو أمني، ويعيد قراءة ما حدث للشخصية وليس ما فعلته.

مع آخر مشهد للحلقة الأخيرة الذي انتهى بانتحار نرجس كما حدث مع الشخصية الحقيقية عزيزة بنت ابليس، يدرك الجمهور لماذا مارست نرجس جريمة خطف عدد كبير من الأطفال الرضع، حيث تطغى لحظات من غياب الضمير الإنساني على المصلحة الشخصية.

تخوض نرجس معركة داخلية عميقة تعزز أحقيتها فيما تسلبه من الآخرين، ليس بدافع غريزة الأمومة التي تحققت مع خطف أول طفل، لكن بسبب تاريخ حافل من الانكسارات وضغط المجتمع عليها، مما يجعلها تمارس هذه الجريمة باقتناع كامل، حيث تعتبر سلب حق الآخرين في الأمومة وسيلة لسد إحساسها بالنقص، لتكون شخصية نرجس نتاجًا لبيئة مشوهة.

تميز إنتاج المتحدة لدراما رمضان بتنوع فئات المواضيع، حيث تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية وأسرية، وقد وضعت بعض القوانين المتعلقة بالعلاقات بين الأزواج على طاولة المناقشات الجادة لإعادة النظر في آلية تطبيقها.

كما تميز الموسم بإتاحة فرص عديدة للمواهب الشابة التي شاركت لأول مرة في الدراما، حيث قدم سامح علاء مخرج مسلسل “نرجس” صورة سينمائية فريدة داخل مسلسل تلفزيوني، وعمرو موسى مخرج مسلسل “عرض وطلب” والمخرجة مايا زكي مخرجة مسلسل “حد أقصى”، وغيرهم من الموهوبين في التمثيل والكتابة، مما يمكن اعتباره مصنعًا لاكتشاف المواهب الجديدة وتجديد دماء الدراما.