جرجس شكري، الناقد والشاعر الذي يُعرف بتفكيكه للتاريخ الثقافي، يُقدّم في كتابه الجديد «صانع النجوم.. حلمي رفله.. سيرة سينمائية بلا ماكياج» تجربة بحثية وسردية غنية تتداخل فيها الوثائق مع الاعترافات، حيث يستند إلى أوراق المخرج والمنتج والماكيير حلمي رفله، مستعرضًا رسائله وشكاواه ومذكراته التي تشكل نسيجًا فنيًا يحكي قصة فنان عاش بين مجد الشاشة وصخب المؤسسة، مُسلطًا الضوء على شغفه بالفيلم الغنائي ومعركته المستمرة للدفاع عن حقوقه خلال فترة التحولات السياسية من الخمسينيات حتى السبعينيات، إذ يزاوج الكتاب بين السيرة والتحليل، ويُظهر تأثير القرارات الثقافية على مصير المبدع، وقد صدر حديثًا عن دار آفاق للنشر والتوزيع.

يستعرض الكتاب سيرة «بلا ماكياج»، كما يصفها مؤلفه، حيث يقرأ حياة رفله من خلال شذراته ومذكراته الخاصة ورسائله المتبادلة مع نجوم عصره، بما في ذلك أم كلثوم وشادية وإسماعيل يس ومحمد فوزي وحسن الإمام وتحية كاريوكا وعمر الشريف، وهي رسائل تضيء جوانب شخصية من تاريخ صناعة السينما المصرية، وتكشف عن مساحات ظلت بعيدة عن التوثيق الرسمي.

كما أن شكري لا يكتفي بالبعد الشخصي، بل يضع تجربة رفله في سياقها السياسي والاجتماعي، خاصة خلال لحظة التحول الكبرى عام 1962، حين قررت الدولة تأسيس شركة قطاع عام للإنتاج السينمائي، واختير رفله مديرًا عامًا لأول شركة تابعة لها، حيث تحولت التجربة إلى معركة معقدة بعد أن طُلِب منه تصفية شركته الخاصة «أفلام حلمي رفله» بدعوى تعارضها مع منصبه الجديد، في ظل تهديد بالتأميم إذا لم يتم البيع للقطاع العام.

يتتبع الكتاب، عبر وثائق وشكاوى احتفظ بها رفله، تطور خطابه من مذكرات امتداح إلى صيحات احتجاج، مُرورًا بتبدل اللهجة بين عهد الوزير عبد القادر حاتم ثم الوزير ثروت عكاشة، وصولًا إلى التحولات التي أعقبت انتهاء الحقبة الناصرية وبزوغ عهد الرئيس أنور السادات، حيث يُقدّم المؤلف قراءة تفكيكية للأوراق، مُعتبرًا إياها نصًا سرديًا يخضع لشروط القول والسكوت، ولمعادلات الخوف والسلطة والتحول السياسي.

يستعيد شكري مسار رفله الفني منذ بداياته في ثلاثينيات القرن الماضي، حين انطلق من حرفة الماكياج إلى الإخراج ثم الإنتاج، مُرورًا بازدهار الفيلم الغنائي الاستعراضي المتأثر بالمسرح وصيغة الفودفيل، ثم تحوّل هذا القالب بعد ثورة يوليو 1952، حيث بحث رفله عن صورة «البطل الشعبي» وتفاعل مع الخطاب الاشتراكي، قبل أن يتأثر مشروعه بزلزال 1967، ثم بتحولات السبعينيات والانفتاح الاقتصادي واختلال منظومة القيم.

«صانع النجوم.. حلمي رفله.. سيرة سينمائية بلا ماكياج» هو أكثر من مجرد كتاب سيرة، فهو قراءة نقدية لتاريخ مرحلة كاملة من تاريخ السينما المصرية، من خلال تجربة فنان بدأ من الصفر، وبلغ قمة المجد، ثم وجد نفسه يخوض معركة طويلة لاسترداد حقوقه، حتى وافته المنية في فرنسا عام 1977.

صانع النجوم حلمي رفلة
صانع النجوم حلمي رفلة
  • جرجس شكري يقرأ حلمي رفله بلا أقنعة: من الماكياج إلى الصرخة الأخيرة

يُظهر فهرس الكتاب بنية درامية محكمة، صاغها جرجس شكري كما لو كانت سيناريو سينمائيًا موزعًا على «مشاهد» و«نهارات» و«ليالٍ»، تبدأ بـ«كلمة أولى»، ثم فصل افتتاحي بعنوان «نهار خارجي – الموت في سيارة مسرعة»، يقابله «ليل داخلي – خطاب الوداع ومرثية لم تكتمل»، مما يؤسس لبنية بصرية وزمنية تُدخل القارئ منذ البداية في أجواء سينمائية خالصة.

يتدرج السرد بعد ذلك إلى فصل «أنا حلمي رفله»، حيث نقرأ البدايات: أيام باريس والحلم والماكياج، حكاية الطربوش وطلعت حرب، ومحبة أم كلثوم، وصولًا إلى ولادة المخرج من رحم اتحاد الفنيين، ثم ينتقل إلى «صانع النجوم»، مستعرضًا علاقته بشادية في أكثر من محطة، وأفلامه الكوميدية الموسيقية، وتجربته مع نور الدمرداش، قبل أن يُخصص فصولًا لتحليل الطريق إلى الفيلم الغنائي، وجدلية الفودفيل والأوبرا كوميك والكوميديا، وصورة البطل الشعبي في الخمسينيات، والوجه الآخر لإسماعيل يس

يحتل فصل «التحولات وسينما الثورة» مساحة مركزية، حيث يرصد ملامح سينما رفله قبل 1952، وموقفه من التحولات السياسية، وصولًا إلى فصول «أولى خطوات المأساة» و«ما قبل الأزمة»، التي تمهد لمعركته الكبرى مع مؤسسة السينما، كما يُفرد الكتاب فصلًا خاصًا بعنوان «حلمي وعبد الحليم» يتناول فيه أربعة أفلام لعبد الحليم حافظ، وقصة اللقاء الأول بينهما، قبل الانتقال إلى «محاولات التأقلم مع الفكر الثوري» و«الدفاع عن المنتج المستقل في زمن الفكر الاشتراكي».

تتوالى الفصول التي تحمل طابعًا توثيقيًا كاشفًا، مثل «شكاوى السينمائي الفصيح»، و«شكاوى ومظالم واسترحامات»، و«محاولات يائسة للنجاة»، حيث تتبدى أزمة تصفية شركة «أفلام حلمي رفله» وخطابات الاستغاثة، ومنها رسالة إلى صلاح نصر، وصولًا إلى «عودة الروح للمخرج السينمائي» بعد 1967، وقراءة لسينما ما بعد النكسة، وصورة البطل في السبعينيات.

كما يضم الكتاب فصولًا توثق يوميات شركة «أفلام حلمي رفله» ومؤسسة السينما عامي 1963 و1964، ومداولات البرلمان حول المؤسسة، وردود الوزير ثروت عكاشة، إلى جانب رسائل متبادلة مع شخصيات ثقافية مثل يوسف إدريس ومحمود السعدني، وتصريح وتنازل من نزار قباني.

تتضمن الفصول الأخيرة طابعًا تأمليًا مثل «الصرخة الأخيرة للسينمائي الفصيح» و«حلمي رفله بين عهدين» و«حلمي رفله السينمائي الذي عاش مرتين»، قبل أن يضع بين يدي القارئ فيلموجرافيا كاملة لرفله مخرجًا وماكييرًا ومنتجًا، مما يُحوّل السيرة من مجرد حكاية إنسان إلى أرشيف فني موثق، يُتيح قراءة مشروعه السينمائي عبر ما يقرب من نصف قرن من التحولات السياسية والاجتماعية في مصر.