عُرض مسلسل «صحاب الأرض» في النصف الأول من الشهر الكريم، ليقدم رؤية درامية غنية تعكس مأساة غزة من خلال معالجة إنسانية وسياسية تضع الحرب في قلب الدراما التليفزيونية، حيث نجح العمل في تسليط الضوء على معاناة السكان المحاصرين في سياق يلامس واقعهم المرير.
أثر هذا العمل يتجاوز حدود الشاشة، إذ حقق صدى عالمياً أربك الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية التي اعتبرته تهديداً استراتيجياً لسرديتها، فمنذ بداية الموسم الدرامي، تصدر العمل المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي، مقدماً معالجة بصرية توثيقية ترتكز على الأحداث المتسارعة في غزة عقب التصعيد الإسرائيلي الذي بدأ بعد السابع من أكتوبر 2023.
العمل الذي أنتجته «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بإدارة المخرج بيتر ميمى، لم يكتف بجذب أنظار ملايين المشاهدين، بل تحول إلى ساحة معركة ثقافية حقيقية، حيث شنت إسرائيل حملة شرسة ضد العمل، متهمة إياه بأنه «سلاح ناعم» و«دعاية قومية» تهدف إلى نسف الرواية الإسرائيلية وإعادة تشكيل الرأي العام العالمي.
ابتعد العمل عن الشعارات الخطابية التقليدية، ليغوص في تعقيدات الحياة اليومية للمحاصرين، مستعرضاً كيف يبتكر الأهالي بدائل للوقود، ومعاناتهم في تدبير الاحتياجات الطبية الأساسية، وقد اعتمد المخرج على تقنيات بصرية وصوتية غامرة، شملت أصوات الطائرات المسيرة والقصف الفعلي، بالإضافة إلى شارة موسيقية لأغنية التراث «ياما مويل الهوى» بصوت ناى البرغوثى وأمير عيد، مما خلق حالة من الانغماس الكامل التي تكسر الحواجز بين الشاشة والواقع.
أهمية العمل امتدت إلى شخصياته الرئيسية، حيث أحدثت خطوط درامية تفاعلاً استثنائياً في الشارع العربي، أبرزها شخصية «سمير»، سائق الشاحنة المصري الذي جسده الفنان عصام السقا، فلم يكن «سمير» مجرد ناقل للمساعدات عبر معبر رفح، بل عكس الروح الفدائية لعمال الإغاثة، وفي مشاهد اتسمت بالتوتر العالي، يخاطر سمير بحياته متجاوزاً خطوط النار وتحذيرات القصف لإيصال أجهزة طبية حيوية إلى مستشفى ميداني في شمال القطاع، كما يتورط في معضلة أخلاقية حين يخفى الشابة المطلوبة «فدوى» داخل شاحنته لحمايتها من الاعتقال.
هذا التجسيد لقي إشادات واسعة من الجمهور الفلسطيني، حيث أكد صحفيون غزيون، منهم خليل أبو إلياس، أن شخصية السائق الصعيدي ابن محافظة المنيا عبرت بصدق عن حالة الغضب الشعبي المصري وشهامة أبنائه، وقد تعزز هذا الأثر بقيام الفنان عصام السقا بالرد المباشر على إشادات الغزيين عبر السوشيال ميديا، محولاً الشاحنة درامياً إلى جسر وجداني يربط بين مصر والقطاع المحاصر، كما سلط المسلسل الضوء على الجيل الشاب المقاوم من خلال شخصيتي «مجد» (آدم بكرى) و«كارما» (تارا عبود)، مبرزاً صراع الشباب للتمسك بالمستقبل وسط دمار الجامعات.
ومن الجانب الإسرائيلي، شنت المتحدثة باسم جيش الاحتلال، إيلا واوية، هجوماً علنياً متهمة العمل بتزييف الحقائق وتحويل الجناة إلى ضحايا، وترافق ذلك مع تقارير حادة من صحيفتي «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت»، اللتين اعتبرتا العمل «سلاحاً ناعماً» قادراً على توجيه الرأي العام العالمي، بينما اتهمت القناة 12 الإسرائيلية التلفزيون المصري بتوظيف الدراما لأهداف سياسية.
وأثبت «صحاب الأرض» قدرته على اختراق السردية الإسرائيلية عالمياً، فقد حظي العمل بتغطية ملفتة في الإعلام الغربي، إذ نشرت صحيفة «لوريان لو جور» (L›Orient-Le Jour) الفرنسية تقريراً يصف المسلسل بأنه «سردية سياسية عن الأرض والثمن»، مشيدة بالواقعية المفرطة التي تضع الجمهور أمام إدانة واضحة لجرائم ضد الإنسانية.
كما تناولت شبكة «يورونيوز» (Euronews) الأوروبية الناطقة بالإسبانية قدرة العمل على إبراز قصص الحب، الخسارة، والصمود الإنساني بعيداً عن تقارير الأخبار الجافة، مما يؤكد أن الدراما تمكنت من سحب النقاش من دائرة الأرقام الإحصائية إلى رحاب المأساة الإنسانية الفردية والجماعية، ما يصعب على الآلة الدعائية المضادة تبرير الانتهاكات ويسهم في تغيير معادلات الرأي العام الغربي، ولا يمثل مسلسل «صحاب الأرض» مجرد عمل ترفيهي، بل يُعد وثيقة تاريخية بصرية أعادت تعريف مفهوم المقاومة الثقافية في أوقات الحروب.
إن ذعر الآلة الإعلامية الإسرائيلية الواسع والاحتفاء العربي والدولي المتصاعد يؤكد نجاح التوظيف الذكي للقوة الناعمة في كسر احتكار السردية الاحتلالية، وتشير هذه التداعيات إلى مرحلة استراتيجية جديدة تضطلع فيها الشاشات العربية بدور محوري ومؤثر في حماية الذاكرة الجمعية وتشكيل الرأي العام العالمي، ليظل الفن المبني على جذور الحقيقة شاهداً عصياً على النسيان أو التزييف ومحركاً لضمير العالم.

