يمثل فيلم “الحياة بعد سهام” للمخرج نمير عبد المسيح عودة قوية للسينما التسجيلية، حيث يستعيد من خلاله ذكريات عائلته وتاريخ بلده، مستندًا إلى تجربة شخصية عميقة تتعلق بوالده الذي تم حجزه ثم أُفرج عنه في عام 1964، يتنقل الفيلم بين لقطات مؤثرة من حياة نمير وأحداث تاريخية كزيارة خرشوف لمصر وبناء السد العالي، كما يعكس علاقة الأب بابنه وذكريات الأم، ويستخدم نمير صوت الكاميرا كوسيلة لاستعادة الذاكرة وتوثيق اللحظات التي شكلت حياته وحياة أسرته.
تتوالى أسئلة الابن التي تنبع من حنينه إلى الماضي، حيث يتساءل عن وجود والدته، وتبتسم الخالة وهي تجيب بأن البشر يتركون ذكراهم، ويعلق نمير بأن الذاكرة تضعف، ويؤكد أن الكاميرا هي وسيلته لعلاج هذا النقص، مشاهد ساحرة من قريته بصعيد مصر تتجلى في ضوء لمبات الكيروسين، حوارات مع الخالة التي ربت نمير، ووعود بالعودة مع أعشاب نادرة، إضافة إلى مشاهد مؤثرة تذكره بأمه، مما يخلق توازنًا بين الحاضر والماضي.
يمزج الفيلم بين مشاهد واقعية وأخرى مأخوذة من أفلام يوسف شاهين، حيث يكتب نمير حوارًا بأسلوب السينما الصامتة، مما يعكس تأثير شاهين في مسيرته الفنية، ويُظهر كيف أن تلك المشاهد تعبر عن التحولات في المجتمع المصري، إذ يتناول الفيلم قصة أسرة مسيحية من صعيد مصر، حيث هاجر الأب إلى فرنسا واستقر هناك، مما يعكس صراع الهوية والترحال والحنين للوطن.
يقول الأب في الفيلم إنه كان يتوقع أن يرحل قبل والدته، لكن القدر كان له رأي آخر، ويعبر عن حزنه العميق لفقدانها، مشيرًا إلى أن رحيلها أثر بشكل كبير على حياته، وفي هذا السياق، تتجلى أهمية أفلام نمير كوثائق تاريخية تعكس تجارب عائلته وتحيي ذكرى أستاذه شاهين.
عند سؤاله عن ردود فعل الجمهور الفرنسي تجاه الفيلم، يشير نمير إلى أن الكبار يعرفون يوسف شاهين وأفلامه، بينما الشباب قد لا يكون لديهم معرفة سابقة، ولكنهم يشعرون بأن تلك المشاهد تنتمي إلى زمن آخر، ويذكر أن بعضهم اعتقد أن والدته كانت ممثلة في الماضي، مما يعكس تأثير هذه الأفلام على الذاكرة الجمعية.
يتحدث نمير عن مشهد حوار الخالة تحت ضوء لمبات الجاز، مسترجعًا ذكرياته الطفولية في الصعيد، حيث كانت الكهرباء ضعيفة، ويؤكد أن هذا الخيار أضاف عمقًا للمشهد، مما ساعد في خلق رابط بين الماضي والحاضر، إذ استغرق إنجاز الفيلم حوالي عشر سنوات، بدأ تصويره في 2015، وواجه نمير تحديات عدة قبل أن يتمكن من الوصول إلى الشكل النهائي للفيلم الذي يعبر عن مشاعره وتجربته الشخصية.
حاز الفيلم على جوائز عدة، منها جائزتا أفضل فيلم وثائقي عربي والنجمة الفضية من مهرجان الجونة السينمائي الدولي الثامن، مما يعكس نجاحه في توثيق تجربة إنسانية عميقة تجمع بين الحزن والحنين.
فيلم الحياة بعد سهام
فيلم الحياة بعد سهام
فيلم الحياة بعد سهام
فيلم الحياة بعد سهام

