في “فن الحرب” يخطو يوسف الشريف نحو تجربة فنية جديدة تتجاوز حدود أعماله السابقة، حيث لا يقتصر العمل على تقديم ألغاز معقدة أو صراعات تقنية بل يتناول مفهوم الحرب كاستراتيجية نفسية وعقلية، مما يتيح للمتلقي فرصة استكشاف أبعاد أعمق للصراع الإنساني، إذ يصبح العنوان بمثابة بوابة لفهم المعنى الحقيقي للحرب التي لا تقتصر على المواجهات بل تمتد لتشمل الصراعات الداخلية والعقلية.

يتكون السيناريو من طبقات متعددة، حيث تتجلى الطبقة الأولى في صراع مباشر، بينما تتعمق الطبقة الثانية في دوافع الشخصيات النفسية والأخلاقية، ويعتمد الكاتب عمرو سمير عاطف وفريق الكتابة على توظيف المعلومات بشكل تدريجي، مما يخلق تفاعلًا حيويًا بين العمل والجمهور، ومع ذلك، يُلاحظ أحيانًا ميل البناء إلى الشرح الزائد، مما قد يحد من قدرة المشاهد على استنباط المعاني بمفرده.

يمتاز أداء يوسف الشريف هنا بتجديد واضح، حيث يتخلى عن صورة “البطل المعصوم” ليقدم شخصية أكثر هشاشة وارتباكًا، وفي مشاهد الصمت يظهر قلقًا داخليًا متصاعدًا، مما يعكس قدرته على استكشاف منطقة تمثيلية جديدة تعتمد على الاقتصاد في الأداء، فبدلاً من تقديم الذكاء، يعيش ثمنه، وهو تحول يُعزز من عمق الشخصية بعيدًا عن الأنماط السابقة.

على المستوى الرمزي، يبرز التفاف جمهور الشباب حول العمل، حيث لا تقتصر العلاقة على كونه نجمًا يتابعه معجبون، بل تتجاوز ذلك إلى حالة من التواطؤ الذهني، حيث يتشارك الطرفان لغة وأفكارًا متشابكة، ومنذ بداياته التي اعتمدت على الغموض والتكنولوجيا، استطاع يوسف الشريف أن يجذب جمهورًا يرى في أعماله تحديًا فكريًا، مما يخلق شعورًا بالانتماء والمشاركة الفعالة.

الشباب الذين نشأوا في زمن السرعة والانفتاح الرقمي وجدوا في يوسف الشريف ممثلًا يتحدث بلغة تعكس فضولهم، فهو يقدم شخصيات تتسم بالقوة الذهنية وليس الجسدية، مما يضعهم في مواقف أخلاقية ووجودية تثير التفكير، وهذه الصيغة منحتهم فرصة الارتباط بشخصية “بطل العقل” الذي يُعبر عن قلقهم وطموحاتهم.

هذا الارتباط لم يكن مجرد إعجاب سطحي، بل ارتكز على الثقة بأن أعماله تحمل أفكارًا عميقة تستحق النقاش، مما جعل أعماله مادة للتأويل والتحليل على منصات التواصل، حيث يقوم الشباب بإعادة إنتاجها عبر نظريات وتفسيرات متعددة، مما يخلق ديناميكية من التأثير المتبادل بينه وبين جمهوره.

في “فن الحرب” يظهر يوسف الشريف بوعي أكبر في مخاطبة هذا الجمهور، حيث يبتعد عن الوعظ ويعزز من المساحات الرمادية، تاركًا الأسئلة مفتوحة دون إجابات نهائية، مما يرسخ العلاقة بينه وبين الشباب الذين يرون فيه مرآة تعكس صراعاتهم وطموحاتهم، وبهذا يستمر ارتباطهم به كحالة تتجدد مع كل تجربة.

العمل يقدم إيقاعًا يتماشى مع مزاج الأجيال الجديدة، حيث تتسم الحلقات بالكثافة والمعلومات التقنية، مما يعكس صراعًا ذهنيًا، ويظهر يوسف الشريف كفنان قادر على إعادة تعريف صورته للجمهور، مستفيدًا من حضوره الرقمي وتفاعله مع منصات التواصل، مما يمنحه فرصة لتقديم مادة فنية قابلة لإعادة التقييم والتطوير.

يتجلى أداء يوسف الشريف في إدارته الواعية لإيقاع الشخصية، حيث لا يظهر الانفجار العاطفي إلا عند الضرورة، مما يحافظ على خط نفسي متصاعد، ومع ذلك تظل بعض لحظات المواجهة أقرب إلى الأداء المحسوب، مما يترك مجالًا للتطور في المستقبل، بينما يظهر فريق التمثيل ككتلة داعمة، حيث تقدم شيري عادل أداءً متزنًا في دور (مي) يعكس التناقض بين القوة والقلق، مما يخلق كيمياء هادئة مع الشريف.

ريم مصطفى تجسد شخصية الخصم بأداء مفاجئ يعتمد على البرود المحسوب، مما يضفي بُعدًا فكريًا على الصراع، بينما تقدم دنيا سامي أداءً نابضًا بالتفاصيل، وإسلام إبراهيم يظهر بوضوح في تقديم شخصية بسيطة لكن مؤثرة، بينما يعكس محمد جمعة القلق الداخلي بعمق، مما يضيف طابعًا مقلقًا على الأحداث.

حتى الأدوار الثانوية لم تُكتب كحشو بل كعناصر فعالة، على الرغم من أن بعضها وقع في فخ النمطية في البداية، أما المخرج محمود عبد التواب فقد نجح في خلق إيقاع محكم، حيث توازن بين التوتر النفسي والحركة العملية، مستخدمًا زوايا تصوير وألوان دقيقة لتعزيز الانطباع النفسي للشخصيات، مما جعل الصراع أكثر عمقًا من كونه مجرد مواجهات خارجية.

الموسيقى التصويرية للموسيقار شادي مؤنس أضافت طبقة تشويقية للصراع الدرامي، مما يعزز الانسجام بين العناصر البصرية والسمعية، ويؤكد أن الحرب هنا داخلية بقدر ما هي خارجية، مما يحافظ على توتر شبه دائم رغم إمكانية ضغط بعض المشاهد الحوارية لتفادي الإطالة.

“فن الحرب” يمثل محاولة لإعادة تعريف مشروع يوسف الشريف الفني، حيث يوازن بين متطلبات التشويق والطموح الفكري، ويقدم بطله في إطار جديد أمام جمهور يتغير باستمرار، مما يؤكد أن يوسف الشريف لا يزال قادرًا على المناورة وإعادة رسم حدوده الفنية.